طه عبد الرحمن
96
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
أحدها ، أن الوسائل العقلية والمضامين العلمية المنقولة تشكل نسقا يشد بعضه بعضا ، بحيث يحكمه منطق خاص لا تضره محاولة الاستقلال بعنصر من عناصره والاشتغال به في غير مجاله ، لأن روح المنطق الذي بني به هذا العنصر في الأصل تنتقل معه ، ولا تلبث أن تؤثر في إجرائيته في مجاله الجديد . والثاني ، أن هذا التصحيح يوقع صاحبه في دور فاسد ؛ فالتنقيح والتخريج اللذان يزعم لنفسه الاقتدار عليهما ، لا يمكن أن يستقيما له حتى يكون عارفا بطريق في العقل والعلم يختلف عن طريق النمط المعرفي الحديث ، والحال أنه لو كان عارفا بهذا الطريق ، لاستغنى به عن الدخول في عمليات تصحيحية ؛ ولما لم يكن الأمر كذلك ، انساق انسياقا إلى العمل بالطريق المنقول في إنجاز مشروعه التقويمي ، فيجيء تنقيحه وتخريجه حاملين لآثار الانقطاع عن القيم الخلقية والمعاني الغيبية كما حملهما ذلك الطريق . والثالث ، أن مسلك التصحيح المزعوم يبقى مسلكا نظريا جزئيا لا يرقى إلى مستوى الفعالية والشمولية اللتين يقتضيهما الخروج من الأزمتين المذكورتين ؛ فليس النظر العقلي الذي يقوم عليه هذا التصحيح إلا واحدا من الأفعال التي تشترك في إنشاء المعرفة ، بل ليس العقل نفسه إلا واحدا من أفعال الإدراك مثله مثل الإبصار والسمع « 3 » ، وقد يطلق أيضا على حاصل هذا الفعل الإدراكي ، فيكون مرادفا لمجموع المعقولات ؛ ولما كان العقل لا يزيد عن كونه فعلا واحدا أو نتاجا لهذا الفعل ، بات مظهرا إدراكيا محدودا وجزئيا لا يفيد تأثيره إلا إفادة ظاهرة وعارضة ، بينما نحتاج في الخروج من الأزمتين المذكورتين إلى تأثير بعيد النفوذ وبالغ الرسوخ . ومتى تبين أن مسلك التنقيح والتخريج غير كاف في استيفاء مقتضيات القصد والصدق ، لزم طلب طريق آخر يحصّل الجمع بين العلم والاعتبارات الخلقية كما يوصّل إلى الجمع بين العقل والتوجهات الغيبية .
--> ( 3 ) ليس " العقل " ذاتا كما وقع في وهم الجمهور بسبب تأثير التعريف اليوناني للعقل ، وإنما هو فعل من أفعال الإدراك مثله مثل السمع والإبصار ؛ وقد يطلق بتوسع على حاصل هذا الفعل ، فيكون مرادفا لمجموع المعقولات كما أن " العلم " ليس ذاتا ، وإنما فعل من أفعال الإدراك ، وقد اشتهر بالدلالة على حاصل هذا الفعل ، فصار مرادفا لمجموع المعلومات ؛ انظر ، طه عبد الرحمن : العمل الديني وتجديد العقل ، الطبعة الثانية ، ص . 17 - 21 .