طه عبد الرحمن

97

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

وأما الجمع بين العلم والاعتبارات الخلقية ، فهو بالذات مقتضى " مبدأ العلم النافع " عند الأخلاقيين المسلمين ؛ فالعلم النافع هو ما كان باعثا على العمل ، ولا عمل صالح بغير علم نافع ؛ ومعلوم أن مصطلح " العمل " في الإسلام يتسع للدلالة على جميع الممارسات والسلوكات « 4 » . وأما الجمع بين العقل والتوجهات الغيبية ، فهو ، على وجه التعيين ، مقتضى مبدأ " العقل الكامل " عند الأخلاقيين المسلمين ؛ فالعقل الكامل هو ما كان مفضيا إلى القرب من حضرة اللّه ، ولا قرب واصل بغير عقل كامل « 5 » ؛ وعلى هذا ، فالطريق الذي ينبغي أن نطلبه حتى نحقق به ما عجز عن تحقيقه مسلك التنقيح والتخريج إنما هو طريق العقل الكامل والعلم النافع ، فكيف نهتدي إلى هذا الطريق المتميز ؟ 1 . 2 . 2 . طريق العقل الكامل والعلم النافع : لو نضع في الاعتبار ما بلغه من أنفسنا العقل المقطوع عن العمل - أو قل " العقل المجرد " - حتى صرنا نحسب القرب في الجهة التي يستدرجنا منها إلى البعد ، وكذا ما بلغه منا العلم المقطوع عن الغيب - أو قل " العلم المجرد " - حتى صرنا نحسب النفع في الجهة التي يستدرجنا منها إلى الضرر ، فإننا لا نكاد نتصور إمكان تحقيق الانفصال عنهما - أي العقل المجرد والعلم والمجرد - ، ولا إمكان الظفر بغيرهما مما قد نأمن فيه من الاستدراج إلى نقيض مرادنا .

--> ( 4 ) نحصي عند الأخلاقيين المسلمين صيغا مختلفة تفيد مدلول " العلم المعمول به " ، منها : " العلم مبدأ العمل " ، و " العمل تمام العلم " ( أبو الحسن العامري : كتاب الإعلام بمناقب الإسلام ، ص . 78 ) ، وكذلك " العلم المستعمل " أو " العلم الباعث على العمل " ( الشاطبي : الموافقات ، الجزء الأول ، ص . 69 ) وأخيرا " كمال العلم في حصول الاتصاف به " ( ابن خلدون : المقدمة ، ص . 460 ، 461 ، طبعة المكتبة التجارية بمصر ) ( 5 ) ورد هذا المعنى الجامع بين كمال العقل ودلالته على القرب من حضرة اللّه في أخبار مأثورة جمعها الماوردي في كتابه : أدب الدنيا والدين ، منها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر ، وإن ما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم " ، ص 27 ؛ ومنها أيضا أن لقمان بن أبي عامر روى عن أبي الدرداء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك قربا ، قلت بأبي أنت وأمي ! ومن لي بالعقل ، قال : اجتنب محارم اللّه وأدّ فرائض اللّه تكن عاقلا ، ثم تنقل بصالحات الأعمال ، تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من ربك قربا ، وبه عزا " ص 29 - 30 ؛ وقد قيل كذلك : " العاقل من عقل عن اللّه أمره ونهيه " ، ص . 29 .