طه عبد الرحمن

95

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

عن الأخلاق ؛ وتوضيح ذلك أن لمفهوم " الجواز " تعلقا بالإرادة ، حيث إن الظواهر التي يستقرئ العلم الوضعي أسبابها هي من صنع الإرادة الإلهية التي تعلقت بهذه الأسباب وكان بالإمكان أن تتعلق بأسباب غيرها لو شاءت هذه الإرادة أن تكون الظواهر على غير ما هي عليه ، أو شاءت أن يدركها الإنسان على غير الوجه الذي أدركها عليه ، كما أن لمفهوم " الباطن " الذي يقترن بظاهر الأشياء ، تعلقا بالغاية التي أنيطت بكل ظاهرة والتي ترتقي بها إلى عالم القيم المعنوية . ومعلوم أن مدلول " الإرادة " الذي يقترن بوجود الجواز ومدلول " الغاية " الذي يقترن بوجود الظاهر يدوران في نهاية المطاف على معنى " القصد " ؛ فالإرادة هي ، على التعيين ، ممارسة السلوك القصدي ، والغاية ليست إلا المقصد الذي يستهدفه هذا السلوك ، فتكون بذلك الأزمة التي أصابت المعرفة الحديثة ، بسبب تقرير الانفصال بين العقل والغيب ، هي ، باصطلاحنا ، عبارة عن " أزمة قصد " . وحاصل القول في النمط المعرفي الحديث أن نتائجه العلمية ، لما كانت لا تؤدي بصاحبها إلى طلب الأخلاق ، ولا يعنيها أمر الوصول إلى التحلي بها ، ورّثت ( بفتح الراء المشددة ) الآخذين بها أزمة صدق كما أن مناهجه العقلية ، لما كانت لا تحمل صاحبها على التطلع إلى الغيب ، ولا يعنيها أمر الوصول إلى اليقين بشأنه ، ورّثت الآخذين بها أزمة قصد ؛ ومتى ثبت أن المعرفة الحديثة تكابد أيما مكابدة أزمتين اثنتين : " أزمة صدق " و " أزمة قصد " ، احتاج المتخلّق - الذي عليه واجب العمل بالاعتبارات الخلقية والتوجهات الغيبية - أيما احتياج إلى أن يقي نفسه شر هاتين الأزمتين ؛ فكيف إذن السبيل إلى دفع هاتين الأزمتين واتقاء سوء آثارهما ، حتى يستقيم له تحصيل نمط معرفي غير منقطع عن المعاني الخلقية ولا منفصل عن الحقائق الغيبية ؟ 1 . 2 . وسائل الخروج من أزمات النمط المعرفي الحديث 1 . 2 . 1 . طريق التنقيح والتخريج : رب قائل يقول بأن مسلك التصحيح النظري يكفي لإخراجنا من هاتين الأزمتين اللتين تكابدهما المعرفة الحديثة ولوقايتنا من شرهما ؛ ويقوم هذا التصحيح في عمليتين اثنتين : إحداهما ، تنقيح المناهج العقلية حتى تصير موافقة لمقتضيات التسليم بالغيب ؛ والثانية ، تخريج النتائج العلمية حتى تصير آخذة بأسباب السلوك الخلقي ؛ نرد على هذه الدعوى من الوجوه الثلاثة الآتية :