طه عبد الرحمن
94
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
* أن تقويم قول القائل من جهة أفعاله مسلك غير مشروع . وواضح أن هذه الادعاءات تزكّي الانفصال بين القول والفعل ؛ ولما كان هذا الانفصال أثرا من آثار " مبدأ الموضوعية الجامدة " و " مبدأ التساهل المسيّب " ، دخلت على المعرفة الحديثة ، على اختلاف أساليبها وتنوع محتوياتها ، آفة الإخلال بشروط الصدق ، علما بأن الصدق هو مواطأة القول للفعل ؛ وإذ ذاك ، لا نعدو الصواب إن قلنا بأن المعرفة الحديثة تعاني أزمة حادة ، هي ، باصطلاحنا ، عبارة عن " أزمة صدق " . 1 . 1 . 2 . أزمة القصد : لقد تفرّع على الأصل الثاني الذي يقول بفصل العقل عن الغيب المبدآن المشهوران : أ . مبدأ السببية ، وهو يقضي بأن يكون لكل ظاهرة سبب محدد ؛ ولما كان القول بالسببية يلزم منه أن " الجواز " لا محل له في الممارسة العقلية المشترطة في العلوم ، آثرنا أن نسمي هذا المبدأ ب " مبدأ السببية الجامدة " ، حتى نفرق بينه وبين مبدأ آخر يأخذ بسببية " حركة " ( بكسر الراء ) تزدوج فيها الضرورة بالجواز ، كما يزدوج فيها التوجيه الذي يضبط العلاقة السببية ، إذ تكون هذه العلاقة موجّهة من لدن المسبّب كما هي موجّهة من لدن السبب ، وإن اختلفت صورة هذا التوجيه من أحدهما إلى الآخر . ب . مبدأ الآلية ؛ ينص هذا المبدأ الثاني على أن كل ظاهرة لا تحددها إلا أوصاف وخواص خارجية يمكن أن نراقبها ونضبطها ونتصرف فيها بطرق مقررة ؛ ولما كان القول بالآلية يلزم منه أن الممارسة العلمية تنزل كل شيء منزلة الظاهر الذي ينبغي التحكم فيه ، ولا تتطلع إلى ما وراءه من الدلالات الخفية ولا إلى ما بطن من الأسباب الممتنعة عن المراقبة الآلية ، اخترنا أن نطلق على هذا المبدإ اسم " مبدأ الآلية المسيّبة " ، حتى نفرّق بينه وبين مبدأ ثان يأخذ بآلية " موجّهة " ( بفتح الجيم ) يتزاوج فيها التحكم في ظاهر الأشياء مع الاحتكام إلى باطنها ، وذلك لتزاوج الأوصاف العلنية فيها مع المقاصد الخفية وتزاوج العلل المشهودة مع الحكم ( بكسر الحاء ) المبثوثة . وإذا نحن دققنا النظر في المعنيين : " الجواز " الذي يخرجه مبدأ السببية الجامدة ، و " الباطن " الذي يخرجه مبدأ الآلية المسيّبة ، تبيّن لنا أن المعرفة الحديثة تكابد أزمة ثانية تضاهي في حدتها أزمة الصدق التي نشأت عن القول بانقطاع العلم