طه عبد الرحمن

78

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

قول " بحق . 1 - المضار الخلقية لحضارة القول كان لا بد أن يفضي طوفان الأقوال الجارف إلى آفات تضر بالأفعال ضررا كبيرا ؛ ولما كانت الأفعال هي بالذات الجانب السلوكي من الإنسان كما أن الأقوال هي الجانب النطقي منه ، تطرقت هذه الأضرار إلى الكيان الخلقي للإنسان ، فكانت بمنزلة مظاهر جلية من ظلم الحضارة الحديثة للإنسان ، إذ آثرت القول على الفعل بغير حق وأسندت إليه وظائفه ؛ ونخص بالذكر من وجوه هذا الضرر ثلاثة أساسية . 1 . 1 . آفة التضييق لما اشتد أثر القول واتسع مجاله ونفذ فيما لم يكن فيه نافذا أو لم يكن من حقه النفوذ فيه ، اقتحم على الفعل موطنه وغصبه سلطانه فيه ، فضاقت رقعة الأخلاق ضيقا وانقبض أفقها انقباضا ، كل ذلك بحجة أنه " لا أخلاق في القول النظري " ، فإذن " لا أخلاق في المنطق " « 3 » ، مع العلم بأن المنطق هو قمة البرهان ، أو بحجة أنه " لا أخلاق في المعرفة " ، مع العلم أن المعرفة هي قمة السلطان ؛ وإذا انحسرت الأخلاق عن البرهان المنطقي والسلطان العلمي معا - وهما على ما هما عليه من احتواء لأطراف العقل ولجوانب الحياة من الوجود الإنساني - فلم يبق للأخلاق إلا ما ليس بذي صحة ولا ذي قوة من هذا الوجود ، فتغدو محمولة على أن تنكمش بغير انقطاع ، بل أن تسرع في هذا الانكماش ؛ فما بقي تحتها ليس قليلا في كمّه فحسب ، بل أضحى أيضا ضعيفا في كيفه . 1 . 2 . آفة التجميد لم تقتصر " حضارة القول " على اغتصاب ما للأخلاق فقط ، بل إنها كذلك قهرتها على الجمود على حالة واحدة فيما تبقى لها من مجال ضيق وضعيف ، وذلك بدعوى أن الأخلاق لا تصلح لتنظيم الأفعال حال اجتماع الناس فيما بينهم ، ولا بتوجيهها لما فيه الصالح العام ، وإنما كل ما تصلح له هو مراقبة بعض الأفعال حال انفراد الناس بعضهم عن بعض ، منحصرة فائدتها في نطاق الصالح الخاص ؛ وحيث

--> ( 3 ) انظر : luaP nageK egdeltuoR , egaugnaL fO xatnyS lacigoL ehT : PANRAC . R 25 - 15 . p vdtL