طه عبد الرحمن

79

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

إنه لا قول ، بحسب هذه الحضارة اللفظية ، أقدر ضبطا لمسالك التنظيم من القول القانوني ، فهو أحقّ من الأخلاق بتنظيم أفعال الجماعة ، ثم حيث إنه لا قول كذلك بحسب هذه الحضارة أقدر طلبا لسبل المصلحة العامة من القول الاجتماعي ، فهو أحقّ من الأخلاق بتوجيه هذه الأفعال إلى أن يخدم بعضها بعضا ويصلح بعضها بعضا ؛ وإذا وقع الاستغناء بالقول القانوني والقول الاجتماعي عن الفعل الخلقي ، فلا مناص من أن تتعرض الأخلاق للقصور والجمود ، فتصير بين أظهرنا أشبه بالأفعال الميتة التي لا قدرة لها على تحريك العلائق بين الأفراد ولا على تعدية الانتفاع فيما بينهم . 1 . 3 . آفة التنقيص لم تكتف " حضارة القول " باغتصاب حقوق الفعل الخلقي كما في ضرر التضييق ولا بانتزاع قدرة الاجتهاد والتجديد من هذا الفعل كما في ضرر التجميد فحسب ، بل أيضا إنها بالغت في التنقيص من شأن هذا الفعل وفائدته ، حاكمة عليه بنقيض مقصوده ومستبدلة مكانه ما هو ضده ؛ فقد صار راسخا في الأذهان ، بواسطة السيل الجارف من الأقوال الذي تحمله هذه الحضارة الحديثة ، بأن الأخلاق لا تخدم إلا الضّعف في النفس والخذلان في السلوك ، بينما كان غرضها هو أساسا أن تخدم القوة في الروح والإقدام على العمل ؛ كما أدى هذا الفيض اللفظي الهائل إلى الاعتقاد بأن القول السياسي هو أحق بتذكية الشعور ونفخ الروح في الإرادة ، ومعلوم أنه ليس في الأقوال قول يعارض الفعل الخلقي معارضة القول السياسي له ولا أضر به منه ؛ فإذا كان الفعل الخلقي لا ينشغل بتقوية السلطان بقدر ما ينشغل بتزكية الوجدان ، فإن القول السياسي الذي أثمرته حضارة القول لا همّ له إلا ابتغاء الرئاسة ومحبة السلطان ؛ وعلى هذا ، يكون استبدال القول السياسي مكان الفعل الخلقي هو بمنزلة استبداله بضده . ومتى حصل عكس المقصود الأصلي للفعل الخلقي واستبدال غيره مكانه ، فقد سقطت منزلة هذا الفعل في القلوب وهان على الناس أمره ، بل صار مجرد الكلام عنه خوضا في اللامعقول ومدعاة للخجل والاستتار . وعلى الجملة ، فإن ما أنتجته حضارة القول هو مضار ثلاث أصابت الإنسان في كيانه الخلقي : مضرة التضييق التي جعلت الفعل الخلقي فعلا محدودا ومضرة التجميد التي جعلته فعلا مقطوعا ومضرة التنقيص التي جعلته فعلا منبوذا ؛ وعلى هذا ، يكون