طه عبد الرحمن
77
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
الفصل الثالث حضارة القول : كيف يمكن درء آفاتها الأخلاقية ؟ لا يخفى أن المظهرين اللذين تجلى بهما سر الحياة في الوجود الإنساني هما : " القول " و " الفعل " ؛ وقد اشتغل أهل الفكر بالبحث عن حقيقة الفعل الإنساني كما اشتغلوا بالبحث عن حقيقة القول الإنساني ، غير أن هذا الاشتغال المزدوج قد اختلفت درجته من الشدة كما اختلفت فيه المراتب التي ينزلها كل من القول والفعل ؛ فالفيلسوف اليوناني قد رفع من شأن القول لظهور دلالته على العقل ، حتى اتخذه معيارا يفرّق به بين الإنسان والحيوان ، فقال " الإنسان حيوان ناطق " « 1 » ؛ أما العالم المسلم ، فعلى العكس من ذلك ، قد رفع من شأن الفعل لظهور دلالته على الخلق ، حتى اتخذه معيارا يفرق به بين الإنسان وغيره ، فقال : " الإنسان حي عامل " « 2 » . ويبدو أن هذا التفاوت في الاشتغال بهذين المظهرين الحيويين للوجود الإنساني - أي " القول " و " الفعل " - زاد مع مرور الزمن اتساعا حتى صار إلى ما يشبه التباين أو الانقطاع بينهما كانت الغلبة فيه لجانب القول على جانب الفعل ؛ وعلامة ذلك ما يحدث على مرائينا ومسامعنا من " طوفان الأقوال " ، طوفان تغطّي هوله وتخفي فداحته أسماء مختلفة تغري بظاهر دلالتها من نحو " انفجار المعلومات " و " ثورة الاتصال " ، و " انعتاق الكلمة " و " سيادة القلم " و " سلطان العقل " و " تداول المعرفة " و " عولمة الإعلام " وغيرها من الأسماء الكثيرة التي تروّج لهذا الطوفان اللفظي وتجلب له مظاهر الموضوعية والمشروعية بغير حساب ، حتى إن أنسب اسم يصح إطلاقه على الحضارة الغربية الحديثة التي أنتجت هذا الطوفان هو أنها " حضارة
--> ( 1 ) " ناطق " هنا بمعنى " عاقل " . ( 2 ) المقصود هنا ب " العمل " العمل الشرعي ، ومعلوم أن أبرز الأعمال الشرعية " العبادة " ، فيرجع معنى التعريف السابق إلى القول : " الإنسان حي عابد " .