طه عبد الرحمن
76
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
في طلب تحقيق مقاصد نافعة بوسائل ناجعة ؛ ولا يتم هذا الجمع بين نفع المقاصد في ثباتها وشموليتها وبين نجوع الوسائل في تغيرها وخصوصيتها إلا بدوام الاشتغال بالله والتغلغل فيه . وقد وضحنا كيف أن المتخلق بأخلاق الدين وحده هو الذي يحصّل رتبة العقلانية المسددة ، ثم كيف أنه يرتقي منها إلى رتبة العقلانية المؤيّدة متى اتقى الآفات التي قد تدخل على عمله وكيف أن واجبه هو أن يعمل جاهدا من أجل الارتقاء إلى هذه الرتبة الثالثة التي تجعل له عقلا كاملا ، يدرك ما لا يدرك غيره ويصيب حيث لا يصيب . لقد فرعنا من الكلام في مسألة الحدود التي تتطرق إلى العقلانية في الحضارة الغربية الحديثة والتي تجعل من هذه الحضارة ، على الرغم مما أتت به للإنسان من مكتسبات وقدرات مختلفة ، حضارة ناقصة لخلوها كليا من اليقين في نفع هذه المكتسبات ونجوع هذه القدرات ، مما يدعونا إلى طلب عقلانية فوقها تستمد أصولها من أعماق التخلق الديني الذي هو وحده يورّث هذا اليقين المفقود ؛ وها نحن ماضون إلى توضيح كيف أن هذه الحضارة الحديثة لا تحرم الإنسان من اليقين الضروري لحياة طيبة في الحال وسعيدة في المآل فحسب ، بل إنها تظلم استعداداته الخلقية التي تهيّئه وتؤهّله لمثل هذه الحياة الطيبة والسعيدة .