طه عبد الرحمن

75

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

وكذلك ينبغي حمل الألفاظ القرآنية : " نعقل " و " يعقل " و " تعقلون " و " يعقلون " على معنى " العقل المؤيد " في كثير من الآيات ، ونسوق على ذلك الدليلين الآتيين : أ . أن هذه الألفاظ تأتي فيها في معرض الكلام عن المغيّبات والمكتّمات من أمور العالم الآخر ؛ ومعلوم أن العقل بالمعنى المجرد محدود في إدراكه ، لثبوت عجزه عن تحصيل اليقين في نفع المقاصد ونجوع الوسائل ، فلا سبيل له كليا إلى معرفة المعاني الغيبية ؛ ومعلوم أيضا أن العقل بالمعنى المسدّد ، وإن كان أقل محدودية في الإدراك من العقل المجرّد ، فإنه لا يرقى إلى درجة اليقين في نجوع الوسائل التي يستعملها للوصول إلى مقصده النافع ، فلا يهتدي إلى معرفة المعاني الغيبية إلا بوجه جزئي ؛ لذا ، يكون المراد من ألفاظ " العقل " القرآنية المذكورة آنفا الدلالة على حصول التأييد في العقل ، وهو القدرة على التوسل إلى المقصد النافع بالسبب الناجع . ب . أن هذه الألفاظ تجيء في القرآن مرادفة لكلمة " التذكر " و " التدبر " و " التبصر " ، وهي تدل بوضوح على معان لها تعلق بالمغيّبات وما يصدق عليها يصدق بالضرورة على لفظ " العقل " الذي هو مرادف لها . وفي الختام ، نجمل الكلام فيما سبق ، فنقول بأن العقلانية ، بوجه عام ، عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في طلب تحقيق مقاصد معينة بوسائل معينة . والعقلانية المجردة ، بوجه خاص ، عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد لا يقين في نفعها بوسائل لا يقين في نجوعها ؛ وقد رأينا أنها تخل بشرط النفع في المقاصد لوقوعها في النسبية والفوضى والاسترقاق ، كما تخل بشرط النجوع في الوسائل لإقصائها المعاني الروحية واكتفائها بالظواهر الخارجية واعتمادها للوسائط المادية وحدها . والعقلانية المسدّدة ، بوجه خاص ، عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد نافعة بوسائل لا يقين في نجوعها ؛ وقد رأينا أنها تقع في آفتين : آفة التظاهر بأقسامه الثلاثة : التكلف والتزلف والتصرف ، وآفة التقليد بأقسامه الثلاثة : التقليد الاتفاقي والتقليد النظري والتقليد العادي . والعقلانية المؤيدة ، بوجه خاص ، عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم