طه عبد الرحمن
68
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
ج . اتخاذ الوسائط : ليس العلم الحاصل بالمنهج العقلي العلمي مستفادا بانقداحه دفعة واحدة في قلب الإنسان ، وإنما هو مستفاد من اصطناع الوسائط ووسائط أخرى فوقها ، حتى يتهيأ له ضبط الظواهر وصفا وتجريبا ومراقبة وتنبؤا . ويحكم هذا الطريق في اتخاذ الوسائط المبدأ الذي مقتضاه أنه : " كلما كان الشيء دقيقا ولطيفا ، تعددت وتعقدت الوسائط إليه " ، أو على العكس من ذلك ، " كلما كان الشيء مجسما وكثيفا ، قلت الوسائط إليه " ؛ وتترتب على هذا المبدإ النتيجة التالية ، وهي : " أن إدراك الحقائق الروحية الموصوفة أصلا بكونها لا متناهية في الدقة واللطف سوف يستلزم من الوسائط المادية ما لا حصر له " . وحيث إن المنهج العقلي العلمي لا ينفك عن التوسل بالوسائط المادية في كل شيء ، فقد امتنع عليه إدراك ما لا يتأتى بطريق هذه الوسائط كالمعاني الروحية ، وبالتالي خلا من وصف النجوع المطلوب . وعلى الجملة ، يتبيّن من النظر في وسائل المنهج العقلي العلمي أن هذه الوسائل قاصرة غير ناجعة ، وذلك بسبب تكلفها للموضوعية ووقوفها عند الظواهر المقيدة بالزمان والمكان وأخذها بالوسائط المادية . وعلى هذا ، تكون العقلانية " الديكارتية " بخروجها عن النفع في المقاصد وعن النجوع في الوسائل قد أخلت بمعيار التكامل ، على تقدير أنها وفّت جزئيا بمعياري التقويم والفاعلية . ولما ثبت أن العقلانية الغربية بشقيها : " الأرسطي " و " الديكارتي " ، إما أنها تخل بالمعايير الثلاثة للعقلانية السليمة ، وإما أنها تسيء استعمالها ، جاز لنا أن نعدها مرتبة دنيا في العقلانية نسميها باسم " مرتبة التجريد " ؛ فالعقل المجرّد هو بالذات العقل الذي يخلو من اليقين في نفع المقاصد التي اختارها وبالأولى من اليقين في نجوع الوسائل التي اتخذها ؛ ولا نستغرب إذ ذاك أن ينقلب بالضرر على الإنسان ، إن قليلا أو كثيرا ؛ فكيف إذن الخروج من هذا العقل المعرّض للضرر في المقاصد وللقصور في الوسائل ؟ 2 - نوعا العقلانية العملية الجواب على هذا السؤال هو أن الخروج من العقلانية المجردة يتم عن طريق التوسل بالقيم العملية ، ذلك لأن العمل يقوم بتلقيح وإخصاب الممارسة العقلية ،