طه عبد الرحمن

67

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

المنهج العقلي العلمي ، يجدها ، هي الأخرى ، متصفة بالصفات الثلاث التالية : " تكلف الموضوعية " و " الجمود على الظاهر " و " اتخاذ الوسائط " . أ . تكلف الموضوعية : تزعم الممارسة العقلانية العلمية تطهير وسائلها من كل أثر للمعاني والقيم الذاتية بحجة التزام طريق " الموضوعية " ، هذا الطريق الذي يوجب ، في نظرها ، الاقتصار في كل شيء على الرجوع إلى الملاحظة الظاهرة والتجربة الحسية ، حتى أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تعدّ عندها بمنزلة عوائق أو عقبات تثبّط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته ؛ والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن ، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيما أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها " الموضوعية " نفسها . ولما كان العلم الحديث مبنيا على هذا التصور الخاص للمعرفة الموضوعية ، فاته تحصيل الوسيلة الناجعة في خدمة حياة الإنسان ، لأن هذه الوسيلة تقتضي الجمع بين طلب المعرفة العلمية وبين التزام المعاني والقيم الروحية والأخلاقية . ب . الجمود على الظاهر : يجعل المنهج العقلي العلمي من موضوعاته ، كائنة ما كانت ، مجرد ظواهر تقبل التحليل والتجريب ؛ ولا يخفى ما في هذا المنزع من محاذير الوقوع في الخطأ ، نحو المطابقة بين الشيء وبين مظاهره كما إذا طابقنا بين الرصيد من الذهب وبين الأوراق النقدية التي نتداولها ، وكذا التصريف الظاهري لأمور لا تقبل هذا التصريف كما إذا مثّلنا على حقيقة القصد والنية بسهم مرسوم . ومعلوم أنه لا يتم للشيء ظهوره - أي تحوّلّه إلى ظواهر - إلا بإدخاله في حيز مكاني وزماني ، لأن هذا التحييز يمكّن من إجراء وسائل التقدير والتقسيم والتركيب على هذا الشيء ؛ ولا تخفى الآثار السيئة للتحييز الذي يجعل ما هو غير ممتد ممتدا وما هو غير قابل للمقدار قابلا له كالتسوية بين معنى " التوجه " في الصلاة وبين الذبذبات الحاصلة في منطقة من مناطق الدماغ . ولما كان المنهج العقلي العلمي يكتفي بظواهر الأشياء من دون الحقائق الباطنة التي تستند إليها هذه الظواهر ، مدخلا لكل شيء في حيز المكان والزمان ، حرمت وسائله من وصف النجوع ، لأن تحصيل هذا الوصف يستلزم الجمع بين ظواهر الأشياء وبواطنها كما يستلزم الوفاء بتوجهات الإنسان وتطلعاته إلى عالم المعاني السامية التي لا يسعها المكان ولا يجري عليها الزمان .