طه عبد الرحمن

63

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

بمعيار التقويم . أما من حيث معيار الفاعلية ، فهذا التعريف يجعل من العقل جوهرا ، أي شيئا ينزل منزلة الذات ، بينما الصواب أن يكون العقل فعلا من الأفعال وسلوكا من السلوكات ، بل أن يكون أدل الأفعال على الفاعلية وعلى أوصافها ؛ وبيان ذلك من الوجوه الثلاثة الآتية : أ . أن العقل يدخل في باقي الأفعال الإنسانية ، فمثلا المبصر يبصر وهو يعقل في بصره ، والسامع يسمع وهو يعقل في سمعه ، والعامل يعمل وهو يعقل في عمله . ب . أن العقل قد يحسن ويقبح كما تحسن وتقبح الأفعال ، فيحسن إذا سلك به صاحبه مسالك المعرفة الحقيقية ، ويقبح إذا انحرف به عن جادة المعرفة وأوقعه في مظان الشبهات والأهواء . ج . أن العقل يقبل التحول والتغير كما تقبلهما الأفعال ، فبالإمكان توجيه الفعل العقلي والتأثير فيه ، بحيث يخرج من وصف عقلي إلى وصف عقلي آخر أفضل وأعقل منه « 2 » . وأما من حيث معيار التكامل ، فإن هذا التعريف يقسّم الإنسان إلى أقسام مستقلة ومتباينة ، ذلك أن تخصيص العقل بصفة الذات يجعله منفصلا عن صفات أخرى للعاقل تشارك في تحديد ماهية الإنسان كالعمل والتجربة ؛ فلو جاز التسليم بجوهرية العقل على طريقة اليونان ، لجاز التسليم بجوهرية العمل وجوهرية التجربة ، فيكون العمل هو الآخر ذاتا قائمة بالإنسان كما تكون التجربة ذاتا قائمة به ، مثلهما مثل جوهر العقل ؛ ولا يخفى ما في القول بتعدد الذوات القائمة في الإنسان - " ذات عاقلة " و " ذات عاملة " و " ذات مجرّبة " - من مجانبة صريحة للصواب ، نظرا لأنه يتجاهل حقيقة وحدة الإنسان في تكامل أوصافه وتداخل أفعاله . أما معيار التقويم ، لئن كنا نسلم بأن التعريف " الأرسطي " يوفّي بحقه في سياق الميز بين الإنسان والبهيمة ، فإننا لا نسلّم بأن هذه التوفية جاءت على الوجه الذي ينبغي أن تجيء عليه ، حيث إن القيم التي وقع طلبها والتوجه إليها في تحقيق كمال الإنسان لا تؤمن عواقبها وقد تنقلب بأشد الضرر على صاحبها ؛ والدليل على ذلك القول " بالعقول العشرة " وإنزالها منزلة الآلهة .

--> ( 2 ) انظر كتابنا : اللسان والميزان أو التكوثر العقلي ، ص . 21 - 30 .