طه عبد الرحمن
62
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
ومقاصدها متفاوتة . 1 . 1 . 2 . معيار التقويم : مقتضى هذا المعيار الثاني أن الإنسان لا يركن إلى ما هو كائن وما هو واقع ، بل يسعى دوما إلى أن يكون موجّها بقيم معينة تملي عليه ما يجب أن يكون وما يجب أن يقع ، ومشدودا إلى معان تعلو بهمته إلى الخروج عن حاله الحاضر وابتغاء أحوال أخرى غيرها ؛ والشاهد على ذلك كونه لا يفتأ يطلب الكمال في كل أفعاله ، فلا يصل إلى مرتبة حتى يطلب مرتبة فوقها ، ولا يزال آخذا في هذا التدرج من كامل إلى أكمل منه فالأكمل ؛ ولولا هذا التعلق بما ينبغي أن يكون وما ينبغي أن يقع ، لما خرج الإنسان إلى طلب هذا الكمال واستفرغ الجهد في تحصيله . 1 . 1 . 3 . معيار التكامل : مقتضى هذا المعيار الثالث أن الإنسان ، على اختلاف مظاهره السلوكية وتعدد قدراته النفسية ووظائفه العضوية ، ليس مجموعة من الأجزاء التي تقبل إيقاع الانفصال بينها وإيقاف تأثير بعضها في بعض ، وإنما هو عبارة عن ذات واحدة تجتمع فيها مظاهر القوة مع مظاهر الضعف وصفات العرفان مع صفات الوجدان ومستويات النظر مع مستويات العمل وقيم الجسم مع قيم الروح . بعد توضيحنا للمعايير الثلاثة الواجبة في كل تعريف للعقلانية وهي : " معيار الفاعلية " الذي يقول بتحقق الإنسان عن طريق الأفعال ، و " معيار التقويم " الذي يقضي بأن تستند هذه الأفعال إلى قيم معينة ، و " معيار التكامل " الذي يجعل هذه الأفعال الموجّهة متضافرة فيما بينها ومكملا بعضها لبعض ، ننعطف على نقد تعريفين اثنين للعقلانية ، أحدهما قديم كان له بالغ الأثر في التراث الإسلامي ، وهو التعريف " الأرسطي " ، وثانيهما حديث لا يقل أثرا في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر ، وهو التعريف " الديكارتي " . 1 . 2 . التعريف " الأرسطي " للعقل يقرر " أرسطوطاليس " أن العقل " عبارة عن جوهر قائم بالإنسان يفارق به الحيوان ويستعد به لقبول المعرفة " « 1 » . لو عرضنا هذا التعريف على المعايير السالفة الذكر ، لتبين لنا أنه لا يقوم بمقتضى معيار الفاعلية ولا بمقتضى معيار التكامل وإن قام ، على وجه محدود ،
--> ( 1 ) جئنا بهذا التقرير " الأرسطي " في الصورة التي انتقل بها إلى شعب المعرفة الإسلامية .