طه عبد الرحمن

61

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

بكمال مبادئها وتجانس مناهجها وسلامة مآلاتها ، حتى أنهم لو فوتحوا في أمر هذا التمحيص وأشعروا باستعجال الحاجة إليه ، لكرهوا الدخول فيه لما بلغه هذا الاعتقاد من أنفسهم . وسعيا إلى ملأ هذا الفراغ في الفكر الإسلامي والعربي وطلبا للخروج من هذه الغفلة الطويلة ، ندبنا أنفسنا للإسهام في عملية النقد المطلوبة للعقلانية ، ولا سيما أن الاقتناع حاصل لنا بأنه لا يتصوّر أن يجتمع على معنى واحد للعقلانية من أخذ بأخلاق الدين ومن أبى أن يأخذ بها ، كما أن الاقتناع حاصل لدينا بأن عدم تحقق الأول من الوجه الذي تدل به العقلانية عند الثاني من شأنه أن يوقعه في الأخذ ، من حيث لا يشعر ، بطرق في العقلانية تضر به ، وذلك لغلبة طرق العقلانية المبنية في غياب التخلق ، فضلا عن التخلق الديني ، داخل الممارسة الفكرية والعلمية بوجه عام . 1 - نقد العقلانية المجردة حقا ، لقد تعددت تعاريف العقل واختلفت حدود العقلانية وأوصافها كما تنوعت الآراء فيها بتنوع مستويات أصحابها من الوعي والتحصيل ، وتلونت مواقفهم منها بتلون اختياراتهم المذهبية وانتماءاتهم الفكرية . ولا نبتغي هنا جرد هذه التعاريف ومقارنة هذه الآراء والمواقف بقدر ما نهدف إلى ترتيب معايير عامة يجب أن يستوفيها كل تعريف للعقلانية مع الاستناد إليها في تقويم حدين مشهورين للعقلانية يمكن أن نرد إليهما أغلب تعاريف العقلانية المتداولة . 1 . 1 . معايير تعريف العقلانية نحصر المعايير التي ينبغي أن ينضبط بها كل تعريف للعقلانية في ثلاثة هي : " معيار الفاعلية " و " معيار التقويم " و " معيار التكامل " . 1 . 1 . 1 معيار الفاعلية : مقتضى هذا المعيار الأول أن الإنسان يحقق ذاته بواسطة أفعال مجالها متسع ومتنوع ؛ ويتجلى تحقق الإنسان بواسطة الأفعال فيما يتخذه من مختلف المواقف التي تتحدد بمجموعها هوية سلوكه ، كما يتجلى اتساع مجال أفعاله وتنوعها في مظاهر ثلاثة ، أحدها كون أصناف هذه الأفعال وكيفياتها ووسائلها متعددة ، والثاني كون ظروفها المكانية والزمانية متقلبة ، والثالث كون بواعثها