طه عبد الرحمن

40

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

الأولى تكون خلقية بموجب طاعتها للأمر الإلهي ، فكذلك الأفعال في الثانية تكون خلقية بموجب عملها بالأمر الإنساني . ومن هنا ، يتبين أن المشابهة بين المعاني والأحكام الدينية وبين المعاني والأحكام الأخلاقية إن لم تكن مقصودة لذاتها ومرغوبا فيها ، فلا أقل من أنها جاءت في غاية الانتساق والاطراد ، حتى إنه لا مجال للشك في أن " كانط " أقام نظريته الأخلاقية العلمانية على قواعد دينية مع إدخال الصنعة عليها ، حيث استبدل الإنسان مكان الإله مع قياس أحكامه على أحكامه ؛ فإذن ليس لهذه النظرية من وصف العلمانية إلا الظاهر ، بحيث تصير العلمانية هنا عبارة عن " ديانية " خفية مثلها مثل الديانية الجلية في الأخلاق المنزلة ، لا تفترق عنها إلا في كون المستحق للتعظيم فيها صار هو الإنسان العيني ، وليس الإله الغيبي . ومتى ثبت أن الأخذ من الدين فنون بعضها جلي وبعضها خفي ، وثبت أيضا أن أخلاق الإرادة الخيّرة أخذت مما قد يخفى من هذه الفنون وبنت عليه صرحها الأخلاقي ، فقد بطل ما يدعي " كانط " من أنها تستتبع الدين ، لا أنه يستتبعها ؛ وعندئذ ، يصح القول بأن الدّين مهد الأخلاق اللادينية التي جاء بها ، بحيث تكون حقيقة الأخلاقي اللاديني أنه أخلاقي ديني متنكّر ، ودليل تنكره إنكاره للحاجة إلى الحقيقة الدينية قولا والإقرار بها فعلا . 3 - استقلال الأخلاق عن الدين تفرعت دعوى استقلال الأخلاق عن الدين في الفلسفة الحديثة من المسألة الفلسفية الدقيقة التي عرفت تحت عنوان أشبه بشعار مذهبي ، وهو : " لا وجوب من الوجود " . 3 - 1 - مقتضى مبدأ " لا وجوب من الوجود " لقد اشتهر بهذه المسألة الأخلاقية العويصة الفيلسوف الإنجليزي " دافيد هيوم " ، حتى قيل بأنه ربما لم يأت بفكرة أكثر منها تأثيرا ، ثم رفعت هذه المسألة إلى مرتبة القانون مقرونة باسمه ، فسمّيت ب " قانون هيوم " ؛ وقد ورد نص هذه المسألة التي ما زالت تثير جدلا كبيرا بين جمهور الفلاسفة والمناطقة « 32 » في الفقرة

--> ( 32 ) انظر : . noitseuQ - thguO - sI ehT : . D . W , NOSDUH . melborP - thguO - sI ehT : . G , ZRUHCS