طه عبد الرحمن

39

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

عدة منها الظاهر والقريب ، ومنها الخفي والبعيد ؛ ومن أخفاها وأبعدها أن يقع التوسل بالدين في قطع الصلة بالدين كما إذا أراد العلماني أن يصنع نظرية علمانية بعناصر مأخوذة من الدين ؛ ولعل الطريقين الآتيين هما شكلان من أشكال هذا التأثير الديني الخفي في بناء نظرية أخلاقية علمانية ، حتى قيل بأننا هنا حيال عملية " علمنة للدين المسيحي " « 31 » . أحدهما ، طريق المبادلة : المقصود بالمبادلة أن واضع النظرية الأخلاقية يأخذ بدل المقولات المعهودة في الأخلاق الدينية مقولات أخلاقية مقابلة لها غير معهودة بنفس الاستخدام النظري في هذه الأخلاق ؛ نورد منها على سبيل المثال ما يأتي : فقد أخذ " كانط " مفهوم " العقل " بدل مفهوم " الإيمان " ، ومفهوم " الإرادة الإنسانية " بدل مفهوم " الإرادة الإلهية " ، ومفهوم " الحسن المطلق للإرادة " بدل مفهوم " الإحسان المطلق للإله " ، ومفهوم " الأمر القطعي " بدل مفهوم " الأمر الإلهي " ، ومفهوم " التجريد " بدل مفهوم " التنزيه " ، ومفهوم " احترام القانون " بدل مفهوم " محبة الإله " ، ومفهوم " التشريع الإنساني للذات " بدل مفهوم " التشريع الإلهي للغير " ، ومفهوم " الخير الأسمى " بدل مفهوم " النعيم " ، ومفهوم " مملكة الغايات " بدل مفهوم " الجنة " . والثاني ، طريق المقايسة : المقصود بالمقايسة أن واضع النظرية الأخلاقية يقدّر أحكامه الأخلاقية على مثال الأحكام التي تأخذ بها الأخلاق الدينية ؛ نذكر من مظاهر المقايسة التي جاءت في هذه النظرية الأخلاقية ما يلي : فكما أن هناك أخلاقا من تقرير الدين المنزل ، فكذلك ينبغي أن تكون هناك أخلاق من تقرير العقل المجرد ، وكما أن الإله في الأولى هو الذي يشرع القوانين ، فكذلك الإنسان في الثانية هو الذي ينبغي أن يتولى تشريع هذه القوانين ؛ وكما أن الإله في الأولى منزّه عن العلل والمصالح في وضع شريعته الإلهية ، فكذلك الإنسان في الثانية ينبغي أن يتجرد عن كل البواعث والأغراض في وضع شريعته الإنسانية ؛ وكما أن قوانين الخالق في الأولى موضوعة للخلق قاطبة ، فكذلك ينبغي أن تكون قوانين الإنسان في الثانية شاملة للبشرية كلها ؛ وكما أن أوامر الإله في الأولى طاعتها واجبة ، فكذلك أوامر الإنسان في الثانية العمل بها واجب ؛ وكما أن الأفعال في

--> ( 31 ) انظر : . 721 . p , elarom eihposolihp al ? a euqirotsih noitcudortnI : . hC , NAMLEREP