طه عبد الرحمن
34
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
في الإرادة الإلهية على هذا النحو الذي يجعل الأخلاق تابعة للدين باسم " نظرية الأمر الإلهي " للأخلاق . ومن كان من أهل التقليد الفلسفي اليوناني لا يطيق عقله الإقرار بوجود إله واحد لا شريك له ، فأحرى به ألا يطيق وجود إرادة إلهية واحدة ، ناهيك بها آمرة وناهية بإطلاق من أطاعها نال الثواب ومن عصاها نال العقاب ؛ فلئن جاز أن تكون الوحدانية فوق أن تدرك بهذا العقل القديم ، فلأن يجوز أن تكون الإرادة فوق هذا الإدراك أولى ، لأن إدراك الوحدانية شرط في إدراك الإرادة ، ومتى فقد الشرط فقد المشروط ، فضلا عن أن الآلهة التي خاض هذا العقل طويلا في أخبارها لم تشغله فيها صفة الإرادة المطلقة في تجلياتها بالأمر والنهي بقدر ما شغلته صفتا " العقل " و " الحب " ؛ فآلهة اليونان عاقلة بعقل كعقل الإنسان ومحبة بحب كحب الإنسان ، ومعلوم أن العقل لا إرادة فيه ، وأن الحب إرادة لا أمر فيها ولا نهي . لهذا ، لا غرو أن يقوم أهل التقليد الفلسفي اليوناني من المعاصرين للاعتراض على القول بهذه الإرادة الآمرة الناهية ؛ وليس هذا مقام تفصيل الكلام في مختلف الشّبه التي أوردوها على هذا القول والتي يقدح أغلبها في قدرة الإله أو حكمته ، ولا في مختلف الردود التي جاءت عليها والتي يستند أغلبها إلى إثبات ربوبية الإله ومحبته للبشر ؛ وحسبنا أن نذكر منها هنا شبهة مشهورة جاءت في صورة السؤال المزدوج التالي : هل الخير خير ، لأن الإله أمر به والشر شر ، لأن الإله نهى عنه أو ، على العكس من ذلك ، هل الإله أمر بالخير ، لأنه خير ونهى عن الشر ، لأنه شر ؟ فلو أجاب الأخلاقي المتدين بأن الخير خير ، لأن الإله أمر به ، وأن الشر شر ، لأن الإله نهى عنه ، لوجب أن يكون كل مأمور به خيرا ، حتى ولو كان عند العقل شرا ، وأن يكون كل منهي عنه شرا ، حتى ولو كان عند العقل خيرا ؛ ثم لو أجاب الأخلاقي المتدين بأن الإله أمر بالخير لأنه خير ، ونهى عن الشر لأنه شر ، لوجب أن يكون الخير والشر مستقلين عن إرادته ، بل تكون هذه الإرادة تابعة لهما ؛ فحينئذ ، لا معنى للتعلق بما أمر به ولا ما نهى عنه « 25 » ؛ وهكذا ، فأي واحد من الجوابين اختار الأخلاقي المتدين ، فإنه لا مناص له من أن يقع في ورطة مثله في ذلك مثل " أوطيفرون " عندما سأله " سقراط " في المحاورة المشهورة التي تحمل
--> ( 25 ) من أراد أن يطلع على تفاصيل الآراء والمواقف بشأن هذه النظرية ، فليرجع إلى الدراسات الهامة المجموعة في كتاب : . ytilaroM dna sdnammoC eniviD : ) . dE ( . P , MLEH