طه عبد الرحمن
35
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
اسمه : هل الآلهة تحب الشيء المقدّس ، لأنه مقدس أو أن الشيء مقدس ، لأن الآلهة تحبه ؟ « 26 » . ولكن الغريب في هذا الأمر هو أن نجد في الفلاسفة المحدثين من يخوض في مسألة ميتافيزيقية عويصة لا قبل للعقل المجرد بها على النحو الذي خاض فيها علماء الكلام المسلمون منذ قرون عديدة وافترقوا بصددها فرقا ثلاثا كبيرة ؛ فالأشاعرة يقولون بأن ما أمر به الشرع فحسن ، وما نهى عنه فقبيح ، بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن والقبح إلا بعد ورود الشرع بهما ، والمعتزلة يقولون بأن الشيء حسن فأمر به الشرع ، وقبيح فنهى عنه ، بمعنى أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء يستقل العقل بإدراكهما ، وفرقة ثالثة تقول بأن بعض المأمورات حسنة بأمر الشرع وأخرى حسنة في نفسها ، كما أن بعض المنهيات قبيحة بنهي الشرع وأخرى قبيحة في نفسها . ولنكتف بهذا القدر في بيان الوجهين اللذين يستتبع الدين بهما الأخلاق - أي " الإيمان بالإله " و " إرادة الإله " - ، هذا الضرب من الاستتباع الذي هو الشكل الأول من الأشكال الثلاثة التي اتخذتها الصلة بين الدين والأخلاق ؛ ونحن ماضون إلى بيان الشكل الثاني منها والذي هو عبارة عن استتباع معاكس يكون فيه الدين هو التابع للأخلاق . 2 - تبعية الدين للأخلاق تفرعت دعوى تبعية الدين للأخلاق في الفلسفة الحديثة على القول ب " مبدأ الإرادة الخيّرة للإنسان " ( أو قل " الإرادة الحسنة " أو " الإرادة الطيبة " ) الذي أقام عليه الفيلسوف الألماني " إيمانوئيل كانط " نظريته الأخلاقية « 27 » المتميزة . 2 - 1 - مقتضى مبدأ الإرادة الخيّرة لقد ذهب " كانط " إلى أنه لا بد في تأسيس الأخلاق من الصدور عن شيء هو خيّر بإطلاق ، بحيث يكون شرطا وسببا في كل قيمة أخلاقية ، وليس هذا الشيء إلا ما سماه ب " الإرادة الخيّرة " ؛ وتأتي خيريتها ، لا من آثارها وفوائدها ، ولا بالأولى من مراداتها ومتعلّقاتها - أي من أشياء خارجية عنها ، سواء أكانت من صنعها أم لم تكن
--> ( 26 ) انظر : lP , set ? elpmoc servueO : , NOTALP . bll - d 01 , I , edai ( 27 ) " كانط : أسس ميتافيزيقا الأخلاق ، دار النهضة العربية ، 1970 ، بيروت .