طه عبد الرحمن

33

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

والعدل هي المحبة التي تفنى في خدمة المحبوب وخدمة كلّ ما يحبه هذا المحبوب . والفلسفة الأخلاقية التي تكون هذه أوصافها لا يمكن أن تعجب كل من بقي على التقليد الفلسفي اليوناني ؛ فلا يتسع صدرهم ولا عقلهم لمفهوم " الإيمان " ، لأنه عندهم بمثابة تقهقر إلى الأسطورة التي تأسّس هذا التقليد بالذات من أجل الخروج منها كليّة ؛ وليس هذا موضع الرد على انتقاداتهم لمبدإ الإيمان ولا على اتهاماتهم لأهله ، لكنهم لو كانوا منصفين في أحكامهم ، لأقروا بأن الدين السماوي ليس أبدا من جنس الأسطورة اليونانية ، ولم يصرّوا على البقاء على تقليدهم الفلسفي القديم ، منكرين للحقيقة الإيمانية ؛ انظر كيف أن العقل الفلسفي اليوناني ، وإن كان ينكر أن تحكى عن الآلهة أحداث وأخبار شبيهة بأحداث وأخبار البشر ، فإنه لم يكن ينكر قط أن تكون هنالك آلهة كثيرة ، لا إله واحد ! وهل يستوي العقل الذي يوحّد الإله والعقل الذي يشرك به غيره ، إلها آخر أو إنسانا ! فالأول عقل مستقر على رب واحد يستمد منه على الدوام ، لحصول اليقين بوجوده ؛ والثاني عقل متذبذب بين أرباب عدة لا يعرف كيف يستمد من أي منها ، لحصول اليقين بتنازعها ؛ وهكذا ، فلو كانت العقلانية هي ، حقا ، مقصد هؤلاء المتفلسفة ومنهجهم ، لوجدوا الحاجة إلى تجديد شكلها الذي ورثوه عن اليونان والذي ما زال يحمل بقايا الأسطورة القديمة ، ولاجتهدوا في أن يستبدلوا مكانه شكلا يتخلّص كليا من هذه البقايا ؛ وليس هذا الشكل البديل إلا العقلانية التوحيدية التي لا تسقط معها كثرة الآلهة فحسب ، بل أيضا تسقط كثرة الأباطيل والشكوك والشّبه ؛ وعندئذ ، يدخل الإيمان قلوبهم وتتسع به عقولهم ، فتدرك ما لم تكن تدرك وتصيب حيث لم تكن تصيب . 1 - 2 - إرادة الإله لا شك أن الفلسفة الأخلاقية التي تعتبر الإيمان بالإله أصلا من أصولها وتبني عليه جملة من الفضائل الإنسانية ، لا بد أن تعتبر كذلك صفات هذا الإله الواجبة في حقه ، ولا سيما تلك التي تكون باعثة على الأفعال الخلقية ؛ وأولى هذه الصفات الإلهية هي كونه مريدا بإرادة كاملة ؛ وإرادته في أفعال مخلوقاته من البشر إنما هي الأمر بخيرها ، فيلزم إتيانه وكذا النهي عن شرها ، فيلزم اجتنابه ؛ ومعلوم أن أحد تجلّيات هذه الإرادة هو جملة الأوامر والنواهي التي كتبها الإله في الألواح لسيدنا موسى عليه السّلام والتي تعرف عند أهلها باسم " الوصايا العشر " ؛ وقد اشتهر النظر