طه عبد الرحمن

32

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

ثم إن الإيمان بالإله لا يزال يكبر في قلب المؤمن ويرتقي درجة من فوق درجة ، حتى يتحول فيه إلى محبة ، ولا شيء فوق محبة الإله ؛ ومحبة المؤمن لأخيه إنما هي من محبته للإله ، والإيمان والمحبة لا يفتأ يصطحبهما الرجاء ، لأنه الجناح الذي يطير به المؤمن والمحب إلى مقام " الخلاص " ، ويفوزان بهذا المقام ، لا بموجب استحقاقهما ، وإنما بموجب الفضل الإلهي . فهاهنا ثلاث خصال : " الإيمان " و " الرجاء " و " المحبة " يجعل منها الأخلاقيون المسيحيون رأس الفضائل الدينية كلها ، إذ يرفعونها على غيرها درجات ، بل يجعلونها ترقى إلى أعلى الرتب الخلقية ، لأنه لا حد لممارستها ولا إفراط فيها ؛ فالإيمان ، مهما تغلغل في النفس ، لا ينقلب أبدا إلى رذيلة ؛ والرجاء ، مهما تقوّى في القلب ، لا يصير أبدا مضرة ؛ والمحبة ، مهما زادت واشتدت ، لا تنعكس أبدا بالسوء ؛ وذلك لأن المقصود بهذه الفضائل الجليلة التي قد نسميها " فضائل الإحسان " إنما هو الكائن الذي ليس فوق كماله كمال ، وواضح أنه لا حدّ ولا إفراط مع الكمال . لهذا ، استحقت هذه الفضائل أن تكون هي الأصل الذي ينبغي أن تتفرع عليه الفضائل الطبيعية كلها ، بما فيها " الفضائل العقلية " ، وهي التي أخذ بها فلاسفة اليونان في تنظيم مدينتهم الفاضلة وظلت إلى هذا الزمان تهيمن على الفكر الأخلاقي بأجمعه ، وقد نطلق عليها ، في مقابل " فضائل الإحسان " ، اسم " فضائل العدل " ، وتشتمل على " العفة " و " الشجاعة " و " الرّويّة " « 24 » و " العدل " ؛ وكما ينبغي أن تكون فضائل العدل الأربع تابعة لفضائل الإحسان الثلاث ، فكذلك ينبغي أن تكون خادمة لها كما تكون الوسيلة خادمة للمقصد ؛ وحينئذ ، يكون لها من شرف الرتبة على قدر هذه الخدمة ، ويبلغ هذا الشرف غايته متى تلبّست كل فضيلة منها بلباس المحبة ، فصارت العفة هي المحبة التي تفنى في المحبوب ، والشجاعة هي المحبة التي تقبل كل شيء من المحبوب ، والروية هي المحبة التي تقبل على خدمة المحبوب لذاته

--> ( 24 ) نقترح استعمال لفظ " الرّويّة " في نقل المصطلح الأفلاطوني : " sis ? enorhp " التي هي فضيلة العقل في معناه العملي والتدبيري ، بينما غلب على فلاسفة الإسلام ونظارهم أن يستعملوا في مقابله لفظ " الحكمة " ؛ وهذا في نظرنا استعمال غير موفق ، إذ أحدث تشويشا كبيرا في الممارسة الفكرية العربية عموما ، لأن لفظ " الحكمة " في التداول العربي أخصّ وأشرف ، بدليل أنه ينزل في هذا التداول رتبة أعلى من رتبة العدل ، بينما " sis ? enorhp " عند " أفلاطون " تنزل رتبة دون رتبة العدل .