طه عبد الرحمن

31

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

هل الدين هو الموجّه لهذه العلاقة أو الأخلاق هي الموجّهة للدين أو أنه لا واحد منهما يوجه الآخر ؟ أو قل ، على وجه التفصيل ، هل الدين هو الذي يعد الأصل في هذه العلاقة ، بحيث تكون الأخلاق فرعا مبنيا على الدين أو ، على العكس من ذلك ، هل الأخلاق هي التي تعد الأصل فيها ، بحيث يكون الدين فرعا مبنيا على الأخلاق أو ، على خلاف هذا وذاك ، هل كل واحد منهما أصل في ذاته ، بحيث لا واحد منهما يكون فرعا مبنيا على الآخر ؟ وبهذا ، يكون الفلاسفة قد بحثوا ثلاثة أشكال ممكنة للعلاقة بين الأخلاق والدين نسميها على التوالي : " تبعية الأخلاق للدين " ، و " تبعية الدين للأخلاق " ، و " استقلال الأخلاق عن الدين " ؛ ويتعين علينا الآن الوقوف على الخصائص البارزة لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة وعلى النتائج التي تترتب عليه ، مع الاكتفاء من وجوهه المختلفة بما دل على هذه الخصائص والنتائج « 23 » . 1 . تبعية الأخلاق للدين نجد من بين أوائل الأخلاقيين القائلين بتبعية الأخلاق للدين في الفلسفة الغربية الفيلسوفين الكبيرين : القديس " أوغسطين " والقديس " توماس الأكويني " ، ويستندان - كغيرهم - في هذا القول إلى أصلين اثنتين : أحدهما " الإيمان بالإله " ، والثاني " إرادة الإله " . 1 . 1 . الإيمان بالإله لما كانت الفلسفة الأخلاقية الموروثة عن اليونان قد ازدوجت في الغرب بتعاليم الدين المسيحي ، اندرج فيها مبدأ " الإيمان بالإله " وتقرر التسليم بأنه لا أخلاق بغير إيمان ، علما بأن الإيمان هو عبارة عن التصديق اليقيني بالوجود الغيبي للإله عن طريق القلب ؛ فما دام الغرض من الأخلاق هو رسم طريق الحياة الطيبة للإنسان ، فلا شيء يبلغ مبلغ الدين في الحرص على تحقيق هذا الغرض في عاجل الإنسان وآجله معا ، وما ذاك إلا لكون الدين ينبني على الإيمان بإله قادر على كل شيء يعين المؤمن على الوصول إلى هذه الحياة الطيبة ، متفضلا عليه بجوده ورحمته وشفقته .

--> ( 23 ) قد ذكرنا أن هناك وجوها متعددة لهذه العلاقة : وجها تاريخيا ووجها نفسيا ووجها اجتماعيا ووجها منطقيا ووجها معرفيا ووجها كيانيا وغيرها ؛ ولما كانت لهذه العلاقة اتجاهات أو أشكال ثلاثة ، لا بد أن يكون لكل واحد من هذه الاتجاهات أو الأشكال مثل هذه الوجوه المختلفة .