طه عبد الرحمن

25

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

هو شأن المفاهيم الميتافزيقية الخالصة . لذلك ، ترانا نأتي من جانبنا بجواب آخر على هذا السؤال الدقيق ، فنقول بأن السبب في اضطراب المفاهيم الأخلاقية يرجع إلى كون الفلاسفة غلب عليهم الاشتغال بها من دون ردها إلى المجال الحقيقي الذي تنتسب إليه ، بحيث بقيت ، في تعاملهم معها ، متزلزلة لا تثبت في معانيها ومتأرجحة لا يستقر بها قرار ومتذبذبة لا تقيم على حال ؛ وليس هذا المجال المنسي الذي بدونه لا تسكن هذه المفاهيم ولا تثبت ولا تتمكن إلا مجال « الدينيات » ؛ والدينيات هي المجال الذي يجمع إلى عنصر " الإنسانيات " وعنصر " المعنويات " عنصرا ثالثا هو " الغيبيات " « 21 » ، فكل مفهوم ديني هو في نفس الوقت مفهوم إنساني ومعنوي وغيبي ؛ لذلك ، يكون الفلاسفة قد أصابوا حينما نسبوا المفاهيم الأخلاقية إلى الإنسانيات والمعنويات ، لكنهم أخطأوا حينما قصروها على هذين المجالين ولم يتعدوا بها إلى مجال الغيبيات ؛ والواقع أن هذه المفاهيم لا تقل نسبتها إلى الغيبي عن نسبتها إلى الإنساني والمعنوي ، فهي ، على الحقيقة ، مفاهيم إنسانية معنوية غيبية مثلها في ذلك مثل المفاهيم الدينية أو قل ، بإيجاز ، لا أخلاق بدون غيبيات كما لا دين بدون غيبيات . وهكذا ، تكون أسباب الأخلاق موصولة بأسباب الدين ، حتى إنه لا حدود بيّنة مرسومة بينهما ؛ وهاهنا حقيقة نرى الفلاسفة فيها بين مقر بها ومنكر لها ومتردد فيها ، لا لشيء إلا لكون حقيقة الدين أعجزت العقول ، فافترق الناس فيها بين مؤمن بها وجاحد لها وشاك فيها ، مع أن هؤلاء وأولئك يعترفون جميعا بأن ظهور الدين مقرون بظهور الإنسان ؛ ومتى صح وجود هذا الاقتران بين الدين والإنسان في الأصل ، فإنه يكون من العبث الشك في أن ملكات الإنسان قد أشربت بالروح الدينية إلى حد بعيد ، حتى إنه لا يكاد يصدر عن هذه الملكات فعل من الأفعال يخلو من أثر قريب أو بعيد لهذه الروح ، والأخلاق إنما هي أول الأفعال التي تصدر عن ملكات الإنسان ، فتكون أكثر من غيرها تغلغلا في الحقيقة الدينية ، بحيث لا مجال للانفكاك عنها . وقد جعلنا من هذا الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي بيننا عليه ،

--> ( 21 ) نقصد ب " الغيبيات " معنى أخص من " الميتافيزيقا " ، فكل ما هو غيبي " ميتافيزيقي " ، لكن ليس كل ما هو " ميتافيزيقي " غيبيّا ؛ فالغيبيات هي " ميتافزيقا " دينية ، من موضوعاتها علاقة الإله بالإنسان خلقا وشرعا .