طه عبد الرحمن

26

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

في الكتاب الذي بين يديك ، مساهمتنا النقدية للحداثة الغربية ؛ ولا يخفى علينا ما قد يثيره بناء هذا النقد على الأخلاق الدينية من مشاعر الاشمئزاز والاستنكار في نفوس المقلّدة من المفكرين " الحداثيين " العرب ؛ ولو أنهم رجعوا إلى أنفسهم ، لوجدوا أنهم يبيحون لأنفسهم ما يحرّمونه على غيرهم ، فإذا جاز عندهم أن ينتقدوا الديني بواسطة ما هو لاديني ، فلم لا يجوز عند سواهم أن ينتقدوا اللاديني بواسطة ما هو ديني ! وإذا جاز عندهم أن ينتقدوا الأخلاق الإسلامية بواسطة الحداثة العلمانية ، فلم لا يجوز عند سواهم أن ينتقدوا الحداثة العلمانية بواسطة الأخلاق الإسلامية ! أمّا نحن فلنا في هذا الأمر أسباب تزيد عن مجرد الجواز ، فقد ثبت عندنا أن الاعوجاج الخلقي للحداثة بلغ تأثيره في النفوس حدا لا ينفع في تقويمه ما نسميه ب " أخلاقيات السطح " - وهي عبارة عن الأخلاقيات التي وضعها الحداثيون وما زالوا يضعونها من أجل دفع أسباب الشر أو الأذى الذي لحقهم وما زال يلحقهم بما كسبت يد الحداثة - ؛ ذلك لأن دفع هذه الأسباب المؤذية لا يكون إلا بقيم تعلو درجات على هذه الأسباب ، وهؤلاء يأخذون قيمهم من هذه الأسباب نفسها ، فالحداثة لا تولّد إلا قيما ومعاني من جنس وقائعها وظواهرها ، فيكون فيها من احتمال الأذى ما في هذه سواء بسواء ؛ والحق أنه لا تنفع في تقويم هذا الاعوجاج إلا أخلاقيات يكون لها من القوة ، لا ما تضاهي به قوة الحداثة فحسب ، - لأن في المضاهاة وحدها تكافؤ الطرفين ، فلا يصلح بالضرورة أحدهما بالآخر - وإنما ما تجاوزها به درجة ، حتى تقدر عليها وتتمكّن من قطع أسباب الأذى فيها ؛ وعلى قدر درجات هذه المجاوزة للحداثة ، يكون حظ هذه الأخلاقيات من الإصلاح والتقويم ؛ فلا بد إذن من طلب أخلاقيات تنأى عن السطح الذي وقفت عنده الحداثة وتغوص في أعماق الحياة وأعماق الإنسان ، فلا أعمق من حياة تمتد من عاجلها إلى آجلها ولا أعمق من إنسان يتصل ظاهره بباطنه ، وأي المعاني الخلقية تستطيع استيعاب هذا الامتداد للحياة وهذا الاتصال للإنسان من المعاني التي ينطوي عليها الدين الإلهي ! أليس يسعى هذا الدين إلى صلاح الحياة الإنسانية في الحال وفلاحها في المآل ! فما بالك بدين كالإسلام الذي جاء ليكون تماما وكمالا لهذه المعاني الروحية . وبناء على اقتناعنا بهذه الحقيقة العجيبة ، جئنا بنقد أخلاقي غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعدّ عند سوانا سببا يحمله على تعظيم أمر الحداثة الغربية ، في