طه عبد الرحمن
16
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
مباشرا بفضل شعورها الأخلاقي أو قل بإيجاز تحدسها أو تستبصرها « 4 » ، بينما الرابع يذهب إلى أن الخلق ليس واقعة أو صفة موضوعية مخصوصة يحدسها المدرك وتوجد بجانب الوقائع والصفات غير الخلقية التي يلاحظها ، وإنما هو حكم معرفي - أو قل خبر - يحتمل أن يكون صادقا أو كاذبا وأن يبرهن عليه كما يبرهن على الحكم غير الخلقي ، لأنه يجوز أن نحلل ونفسر الصفة الخلقية بواسطة صفة غير خلقية كما إذا رفعنا وجود الخير في الأشياء إلى أصله في الإرادة الإلهية « 5 » ؛ والخامس يؤكد أن الخلق تضبطه معايير كلية ومطلقة يجري صدقها على الناس جميعا من غير استثناء ولا تخصيص « 6 » ، في حين أن السادس يعتقد أن للخلق تعلقا ظاهرا بالعوامل الثقافية والتاريخية ، بحيث ما يكون خلقيا بالنسبة لمجتمع معين قد لا يكون كذلك بالنسبة لمجتمع آخر يختلف عنه ثقافة وتاريخا « 7 » . ولا يقف الأمر عند هذا الحد من التباين في المواقف الأخلاقية ، بل قد نجد في كل واحد من هذه المواقف المتفاوتة درجات مختلفة أو نجد تحته أنواعا متعددة ، هذه الدرجات والأنواع التي تجعل النظر الفلسفي الحديث في الأخلاق يبدو وكأنه فوضى فكرية لا مطمع في الحد من توسعها ، مع أن كل ذي موقف أخلاقي يدعي لنفسه الوصول إلى ما وصل إليه باتباع ضوابط العقلانية وحدها ، بيد أنه لا يقدح في العقلانية شيء قدح هذا الادعاء فيها ؛ ذلك أنه لو سلّمنا بصحة هذه الادعاءات الكثيرة ، على وجودها في الزمان الواحد وفي المكان الواحد ، لزم أن تكون العقلانية خاصية لا اتساق فيها ، أي متناقضة ، والتناقض ، على رأي أصحاب هذه الادعاءات ، هو عين العقلانية ، فتكون العقلانية المزعومة عبارة عن لا عقلانية ، وهذا ما لا يمكن أن يتسع له صدر أي واحد منهم ، فإذن يلزمهم ، لكي يخرجوا من هذا المأزق ، القول بأن العقلانية على أنواع كثيرة ، منها الأنواع التي أخذوا بها في إنشاء مذاهبهم الأخلاقية ، ومنها تلك التي لم يأخذوا بها وقد لا يخطر بعضها على بالهم ، وفي هذه المسألة غور عظيم ليس هذا الموضع محلا لبسط الكلام فيه « 8 » .
--> ( 4 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " الحدسية " : " msinnoitiutnI " ( 5 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " الطبيعانية " : " msilarutaN " ( 6 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " الإطلاقية " : " msitulosbA " ( 7 ) يعرف هذا الاتجاه باسم " النسبية " : " msivitaleR " ( 8 ) انظر كتابنا : اللسان والميزان أو التكوثر العقلي ، ص . 21 - 30 .