أسعد السحمراني

44

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

وهناك علاقة بحدود معينة بين علم التاريخ وعلم الأخلاق ، لأنّ وثائق التاريخ هي حافظة الشعوب وذاكرتها ، وبالتالي فإن هذه الوثائق مفيدة كثيرا - إذا ما تمت دراستها - في فهم فلسفة الأخلاق التي كانت سائدة لأخذ العبرة منها ، ولأخذ الدرس للحاضر والمستقبل ، فإن تراث الماضي يبقى له أثره في عقول الحاضر وتطلعات المستقبل ، وبذلك يبقى للتاريخ فعله كإطار من أطر الثقافة في توجيه الشعوب ، والتأثير في سلوكها وأخلاقها . أخيرا يمكن أن نضيف إلى هذه العلوم ، التي لها صلة ما بالأخلاق ، علم القانون . فالقانون والأخلاق كلاهما معياري ويرسم حدود وضوابط لسلوك الفرد والجماعة ، وكلاهما مستمد من عقيدة الجماعة ومنهجها الحضاري ، ولكنهما يختلفان في كيفية الالتزام بهما . فالقانون تسهر على تطبيقة الحكومات وتسنّ العقوبات المادية والمعنوية لمخالفيه من أجل ضبط العلاقات بين أفراد المجتمع ، أما الأخلاق فيسهر على تنفيذها ذلك النداء الوجداني المنبعث من داخل الإنسان المحدد وفق قناعاته وقيمه والذي نسميه الضمير ، والعقوبات على من خالف المعايير الأخلاقية في غالبها معنوية ، فهي إما أن تكون عذاب ضمير ، أو بأن تنبذ الجماعة صاحب الخلق السيء ، ولكن من الصعب جدا الفصل أحيانا بين فعل مخالف للقانون أو للأخلاق ، وقد يكون الترابط تاما في كثير من الأحيان . فمن يسرق مثلا يكون ذا خلق سئ ، وفي الوقت نفسه يكون قد قام بجرم يعاقبه القانون ، وهكذا الأمر في سلوكات عديدة . تناولنا بهذه العجالة علاقة علم الأخلاق ببعض العلوم الأخرى لنلفت النظر إلى الموضوع ، وتناولناه بالقدر الذي يتناسب مع بحثنا هذا تاركين أمر التوسع فيه لعمل يكون مخصصا لدراسة الأخلاق والعلوم الأخرى بأسلوب مقارن قد نقوم به في المستقبل إن شاء اللّه ، وإذا تمّ الاهتمام به من أي باحث فإننا نقول : جزاه اللّه عنّا كل خير .