أسعد السحمراني

27

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

وهو مضرّ ولو سلمت النوايا . والأخلاق من بين المعارف المرتبطة بحياة الآدميين تحتاج أكثر من غيرها إلى النظرة الشاملة والعلم الواسع ، وذلك لأن « سلطان الأخلاق يسري على جميع أنواع النشاط الإنساني ، ولا يخرج عن حكم الأخلاق أي نشاط بدني أو عقلي أو فنّي أو أدبي أو روحي » « 1 » . الأخلاق هي الفكر العملي ، والسلوك التنفيذي للمرء ، فكل فعل يصدر عن وعي من صاحبه هو ثمرة نمطه الأخلاقي . وهذا النمط الخلقي هو ثمرة التقاء عقله مع وجدانه وضميره ، فالثلاثة معا يكونون شخصية الإنسان ، ويحكمون سلوكه الذي نحكم من خلاله عليه إذا كان ذا أخلاق خيّرة ، أو شريرة . وبعد ذلك تتحوّل قيم الإنسان إلى شعور باطني يصاحب كل إدراك أو فعل عنده بأي جانب من جوانب الحياة ارتبط ، وبذلك نرى الإنسان على ضوء هذا الشعور يرتاح أو نيزعج أمام حدث ما ، يطمئن أو يقلق ، يقدم أو يتردّد . . الخ . إن هذا الشعور Conscience يجب أن يتجاوز الذات ليصبح مصدر مشاركة الآخرين ، وسبيل الانصهار مع الجماعة ، لأنّه من غير المجدي أن ينكفىء الإنسان على ذاته يوجّه لها اهتمامه ، فمثل هذا الأمر هو إفراط في الأنانية يهدّد وحدة المجتمع ، ويطلق العنان للغريزة الخاصة ، فيتحوّل الشخص في ظلّ ذلك إلى عبد للشهوة . إن الشعور المتولّد عن قانون الأخلاق الخيّرة يتجاوز الواحد إلى الجماعة ، ويضرب الأنانية لحساب الإيثار والتضحية ، وبذلك يكون الشعور ليس « فقط - الأنا - متميّزة عن - الأنت - . بل يجب أن نفهم من معنى الشعور أنه الامتزاج بين الأنا والعالم الخارجي ، بين التفكير والتأمل . التفكير من حيث أنه ينصب على أشياء خارجة عن الذات ، والتأمل من حيث أنه ينصبّ على الذات » « 2 » .

--> ( 1 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع ، القاهرة ، دار المعارف ، سنة 1967 ، ص 16 . ( 2 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، م . س ، ص 125 .