أسعد السحمراني
28
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
الأخلاق الخيّرة هي أساس صلاح الفرد ، وصلاح الجماعة . وقوام الخلق القويم المعرفة ، لأن المرء حتى في حالة التأمّل الذاتي يكون في حالة التعرّف على قدرات النفس ومركزها حتى لا يتجاوز الإنسان حدوده إذا جهل حقيقة ذاته . وهذا التأمل المنطلق من الذات هو من أجل التعرّف على كيفية تسخير طاقاتها في سبيل المجموع ، مثله مثل تحليل أي جسم إلى عناصره الرئيسة لمعرفة حقيقته وجوهره كمقدمة للاستفادة منه . ويجب أن تترافق مع ذلك قناعة عند كل إنسان بأنّه من المستحيل عليه أن يحلّ مشكلاته بمعزل عن الجماعة ، ومع تجاوز الواقع التاريخي والاجتماعي ، والحضاري عامة في مجتمعه . فالأخلاق السليمة هي التي تكون جزءا من قيم لأجل المجموع ، لأن « القيم الأخلاقية الصحيحة ينبغي أن تعتبر بمثابة طموح إلى الوجود الإنساني الكامل ، ولا يسوّغ لها أن تغفل امتداد جذر هذا الوجود إلى المجالات الحيوية والتاريخيّة والاجتماعية » « 1 » . وهنا يجب أن نتذكر بأن انتقال القيم المنطلقة من المجال الحيوي للإنسان ، ومن واقع مجتمعه وحضارته ، إلى حيّز التطبيق ، أو السعي إلى جعلها تسود المجتمع كلّه ، لا يكون إلّا في حال وجودها راسخة في ذات الإنسان ، فتربية الإنسان تربية وفق قيم خلقية صحيحة هي الضمان لصلاح المجتمع وسيادة النزعة الإنسانية فيه . فلامكان لقيم أخلاقية إذا لم تكن مطبوعة في قناعات الأفراد ، ومتحكمة في وجدانهم وفكرهم . فالإنسان هو حامل رسالة الإصلاح ، وهو هدفها . نصل من ذلك إلى الضرورة التي تحكم تلازم القيم الخلقية مع الإنسان ، وحاجة الإنسان الدائمة إلى هذه القيم ، فبواسطتها تتحقّق إنسانيته ، وعبر الشخص تنتقل القيم الخلقية إلى حيّز التأثير الواسع . وهكذا نرى بأن القيم الخلقية « ترجع إلى الشخص على اعتباره موضوع السلوك
--> ( 1 ) العوّا ، د . عادل ، القيم الأخلاقية ، دمشق ، جامعة دمشق ، بدون تاريخ ، ص 20 .