أسعد السحمراني
152
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
يعطي مسكويه ، كما نلاحظ ، للتربية مكانة هامة في إعداد الإنسان الذي تتأصّل فيه الفضائل بحيث تصبح عادة فيه ، وبذلك تكون المقدمة إلى الفضيلة هي تغيير ذات الإنسان وفق أسس الخلق السليم بواسطة التربية ، وهذه القاعدة هي التي جاء فيها النص القرآني : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 1 » . إن الأخلاق الفاضلة إذا ما أصبحت طبعا للإنسان وعادة أهّلته للتآلف مع أبناء جنسه ، وسهّلت له حسن الصحبة مع الآخرين ، مما يولّد الحب والصداقة وهي قوام نجاح المجتمعات . بقي أن نقول في هذا الباب : إذا كان الإنسان قد تعوّد الفضيلة ، وتأصّلت فيه ، فإن من واجبه أن يخالط من يشاركه السلوك الفاضل وأن يتجنب أهل الرذائل حتى لا يتأثّر بهم أو يصنّف في صفّهم ، وذلك على قاعدة : « قل لي من تعاشر أقل لك من أنت » . وينصح مسكويه قائلا : « إذا كانت النفس خيّرة فاضلة تحبّ نيل الفضائل وتحرص على إصابتها ، وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة ، فيجب على صاحبها أن يعاشر من يجانسه ويطلب من يشاكله . . ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشرّ والنقص من المجّان والمجاهرين بإصابة اللّذات القبيحة وركوب الفواحش ، والمفتخرين بها المنهمكين فيها » « 2 » . إن ما تطرّق إليه مسكويه في نصيحته هذه هو أمر تربوي في غاية الأهمية ، لأن المحيط والعشرة يؤثّران في المرء ، فلا بدّ لذلك من اجتناب كل مجتمع سادته الرذيلة وعدم الاختلاط به مهما كانت الدواعي والاعتبارات . والانسان المستخلف في الأرض عند مسكويه مركّب من جسد يشارك
--> ( 1 ) سورة الرعد ، آية 11 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 177 .