أسعد السحمراني

153

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

فيه الحيوانات العجم ، وروح لطيفة يشارك فيها الملائكة ، وهنا سرّ امتحانه فإن نجح في القيام بالدور المنوط به بحكم استخلافه في الأرض كسب المكانة العليا عند اللّه تعالى في دار القرار الآخرة ، أما إذا جنح إلى اللذات والمنفعة المادّيّة فإنه ينحطّ إلى مستوى الأنعام بل ربما يكون أكثر منها انحطاطا وغرقا في الماديات ، وعن هؤلاء الذين يتّبعون أهواءهم قال اللّه تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 1 » . فالإنسان الذي اتبع هواه لا تستطيع أن تكون وكيلا عليه لتمنعه من فعله ، وتحفظ له إنسانيته ، لأن مثله يكون أضلّ سبيلا من الأنعام ، إلّا إذا أراد هو الخير فعندها يمكنك الأخذ بيده . إن الإنسان ، عند مسكويه إذا ، « ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيّبة التي تسمّى ملائكة ، وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام لأنه مركب منهما ، فهو بالجزء الجسماني الذي يناسب به الأنعام مقيم في هذا العالم الجسماني السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظّمه ويرتّبه حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة الملائكة والأرواح الطيّبة » « 2 » . نستنتج من قوله هذا أنه ينصح الإنسان باتباع الفضائل في هذه الحياة الدنيا لأنها جسر يعبره الإنسان إلى الحياة الأبدية في الآخرة . بعد ذلك يصل مسكويه إلى الفضيلة حيث يعرّفها بأنها وسط بين نقيضين كلاهما رذيلة ، وبذلك يلتزم المفهوم الإسلامي للسلوك الذي يحذر من التطرّف في الأمر ، ويطالب بالاعتدال في كل شيء . وكذلك قال أرسطو اليوناني - كما مرّ معنا سابقا - بأن الفضيلة وسط . بعد تحديد الفضيلة بالتوسط حاول مسكويه أن يجمل الفضائل والرذائل كل على حدة تحت عناوين رئيسة فقال : « أجمع الحكماء أن أجناس الفضائل

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، آية 43 ، 44 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 83 .