أسعد السحمراني
151
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وأمرن طباعا ، ولذلك يسهل طبعهم بالعوائد الحسنة ، وتثقيفهم بالمبادىء السامية . إن عملية التأديب نافعة إذن بدرجة أولى للصغار ، « وهي للكبار من الناس أيضا نافعة ، ولكنها للأحداث أنفع لأنها تعوّدهم محبة الفضائل وينشؤون عليها ، فلا يثقل عليهم تجنّب الرذائل ، ويسهل عليهم بعد ذلك جميع ما ترسمه الحكمة وتحدّده الشريعة والسنّة ، ويعتادون ضبط النفس عما تدعوهم إليه من اللذات القبيحة ، وتكفّهم عن الانهماك في شيء منها والفكر الكثير فيها » « 1 » . وأهمية التربية نابعة من أن الفضيلة مكتسبة وليست موروثة ، وهي مبنية على القناعات والمفاهيم ، وعلى السلوك الذي تدرّب عليه الإنسان منذ الصغر . لذلك فإن الإنسان الذي توفّر له إعداد سليم يصبح الخلق الصالح فيه سجية وطبعا ، ويصبح مرجعه عقله وليس هواه ، فلا يقوم بأي عمل إلّا بعد تبصّر ، وفهم سليم لحيثياته ، وتحديد ما يمكن أن تكون نتيجته ولو على وجه تقريبي . من هنا تنبع أهمية إيلاء الاهتمام لتربية الصغير تربية صالحة ، ووضعه في محيط اجتماعي ومدرسي تسوده السلوكات الفاضلة ، لأن الإنسان إذا تعوّد « أن تكون سيرته فاضلة ، ولم يقدم على شيء من أفعاله إلّا بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعالها كلها منظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل . . . إن السعيد هو من اتفق له في صباه أن يأنس بالشريعة ويستسلم لها ، ويتعوّد جميع ما تأمره به ، حتى إذا بلغ المبلغ الذي يمكنه معه أن يعرف الأسباب والعلل ، طالع الحكمة ، فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به ، فاستحكم رأيه ، وقويت بصيرته ، ونفذت عزيمته » « 2 » .
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 62 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 129 .