أسعد السحمراني
148
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وقيمتها ، ومن إدراك أن النفس تستلزم التزكية ، والسمو عن الخبيث من الأفعال ، وعن الغرق في تلبية الشهوات ، باعتبارها الجزء القائد لدور الإنسان المستخلف في الأرض ، عن هذا الأمر يقول مسكويه : « إن النفس إذا عرفت شرف نفسها ، وأحسّت بمرتبتها من اللّه عزّ وجلّ ، أحسنت خلافته في ترتيب هذه القوى وسياستها ، ونهضت بالقوة التي أعطاها اللّه إلى محلها من كرامة اللّه ومنزلتها من العلوّ والشرف ، ولم تخضع للسبع ولا للبهيمة » « 1 » . إن معرفة النفس ، والاعتماد عليها في إدراك الأشياء والقيم استنادا إلى القوة العاقلة ، ومن ثمّ اختيار منهاج سلوكي يعتمد أخلاق الخير ، أو منهاج يعتمد أخلاق الشر ، كل هذا شأن إرادي يعود إلى اختيار الإنسان ، وبالتالي يكون محاسبا عليه لأنه هو الذي اختاره ، فالخيرات « هي الأمور التي تحصل للإنسان بإرادته وسعيه من الأمور ، لها وجد الإنسان ومن أجلها خلق ، والشرور هي الأمور التي تعوقه عن هذه الخيرات بإرادته وسعيه ، أو كسله وانصرافه » « 2 » . وهذا المفهوم لقيمة الإرادة والاختيار من أجل سلوك طريق الخيرات أو الشرور هو معنى المسؤولية البشرية التي أقرّها التشريع السماوي ، وقد جاء في هذا الأمر قول اللّه تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 3 » . فلقد أطلع الإنسان على طريق الهداية ، وعلى طريق الضلال وتركت له الحرية بأن يختار منهما الطريق التي يشاءها . يعود مسكويه إلى القول : إن الإنسان مفطور على أخلاق الخير ، مما يجعل ثمة توافق بين الناس على قواعد أخلاق الخير التي تكون أشبه بمسلمات في الذات تتمتع بصفة الإلزام للإنسان ، أي أنها ترقى إلى مستوى الواجب الذي لا مناص منه . ومخالفة هذا الواجب يعدّ تجاوزا على الفطرة الإنسانية ، والثغرة عند مسكويه هنا في القول بالوجوب دون تفسير مصدر هذا الوجوب والإلزام .
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 53 ، 54 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 11 . ( 3 ) سورة الإنسان ، آية 3 .