أسعد السحمراني
149
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وإذا كان يردّ على من قالوا بعدم وجود قيم أخلاقية ثابتة ، فكان الأحرى به أن يوضح بأن ما شرّعه اللّه تعالى هو المصدر لهذا الوجوب . يقول مسكويه : « إذن الواجب الذي لا مرية فيه ينبغي أن نحرص على الخيرات التي هي كمالنا والتي من أجلها خلقنا ، ونجتهد في الوصول إلى الانتهاء إليها ، ونتجنب الشرور التي تعوقنا عنها وتنقص حظنا منها » « 1 » . ولكن يجب أن ننبّه إلى مسألة هامة هي : أن أخلاق الخير لا تكون بالانكفاء على الذات ، والبدء بترويضها على فنون المجاهدات والرياضات مع اعتزال الجماعة . فالإنسان كائن اجتماعي وقيمة سلوكه الفاضل تكون في مخالطته للآخرين لكي تختبر فيه أخلاق الخير كالنجدة ، والسخاء ، والشجاعة . . . الخ . وإلّا كيف يمكننا أن نختبر الفضيلة في إنسان هجر المجتمع ، وتنسّك في صومعة لا يخالط أحدا ؟ . إن حياة الإنسان مفطورة على الميل إلى التعاون ، وبذلك أمر اللّه تعالى في قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ « 2 » . فالتعاون على الخير ومن أجل الفضيلة أمر إلزامي ، أما التواطؤ لفعل الشر والرذيلة فهو الشيء المنهي عنه الذي يكون عليه عقاب شديد . الفضيلة إذا تكون بالاجتماع ، أما « القوم الذي رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس ونفروا عنهم ، إما بملازمة المغارات في الجبال ، وإما ببناء الصوامع في المغاور ، وإما بالسياحة في البلدان ، لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية . . وذلك أن من لم يخالط الناس ويساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة والنجدة ولا السخاء ولا العدالة ، بل تصير قواه وملكاته التي ركّبت فيه باطلة لأنها لا تتوجّه لا إلى خير ولا إلى شر » « 3 » .
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 13 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية 2 . ( 3 ) مسكويه ، م . س ، ص 29 .