أسعد السحمراني

136

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

والصدق قرين الحق لأن الصدق يكون ما في الذهن منه مطابقا لما في الخارج ، والحق هو الذي يكون ما في الخارج منه مطابقا لما في الذهن . ولأن الإسلام هو الهدى ودين الحق الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك حثّ على الصدق بمعناه الواسع الذي يكون فيه المرء دائم التصديق كثير الصدق ، فيصدّق قوله بالعمل مما يجعله مستحقّا للقب صدّيق ، وفي الحديث النبوي الشريف : « إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقا . وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللّه كذّابا » « 1 » . والصّدّيق هو الذي لم يدع شيئا مما أظهره باللسان إلّا حقّقه بقلبه وعمله . والصّدّيق لقب لا يعطى إلّا لمن كان من الأخيار أصحاب العزم الذين لا يخافون في اللّه لومة لائم لا من أعراض الدنيا ولا من أهلها . لا بل الصّدّيق هو الدائم الصدق الذي يصدق حتى في الموضع الذي لا ينجيه منه إلّا الكذب . ولهذا قال أهل الحقيقة : الصدق هو قول الحق في مواطن الهلاك . وممن استحقوا هذا اللقب يوسف عليه السّلام لصدق التزامه ، وصدق أمانته ، ولقد جاء فيه قول اللّه تعالى : يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ « 2 » . ووصف كذلك أيوب عليه السّلام بالصّدّيق لصدق احتماله وصبره على البلاء . ووصف شيخ الصحابة أبو بكر رضي اللّه عنه بالصّدّيق لأنه كان دائم التصديق للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، خاصة تصديقه أمر الإسراء والمعراج عند سماعه به .

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم . ( 2 ) سورة يوسف ، آية 46 .