أسعد السحمراني
137
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
إن الصدق يولد انسجاما بين ما في القلب والعقل ، وبين ما يظهر على اللسان وبين ما يمارسه المرء من الأفعال ، مما يثمر طمأنينة عند الصادق تجعل خطاه متّزنة ، وغرسه مثمرا . أما الكذب وهو إظهار غير ما يضمر المرء ، أو ممارسة عمل مخالف للقول فهو سبيل إلى الشكوك والريب مما يجعل الكاذب مضطربا مزعزع الثقة بنفسه وبغيره . في هذا المفهوم كان الحديث النبوي الشريف : « عن محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما قال : حفظت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة » « 1 » . يحمل لنا التاريخ من مواقف الصدق المنجي هذه القصة : خطب الحجاج بن يوسف يوما فأطال الخطبة ، فقام أحد الحاضرين وقاطعه قائلا : الصلاة فإن الوقت لا ينتظرك والربّ سبحانه لا يعذرك . فأمر الحجاج بحبس الرجل حتى أتاه قومه وزعموا للحجاج بأن الرجل مجنون ، فقال الحجاج : إن أقرّ بالجنون خلصته من سجنه . فقال الرجل : لا يسوّغ لي أن أجحد نعمة اللّه التي أنعم بها عليّ وأثبت لنفسي الجنون الذي نزهني اللّه عنه . فلما رأى الحجاج صدق الرجل خلّى سبيله . إن ما يدفعنا للتركيز على أهمية الصدق الحال العامة التي تسود مجتمعاتنا بتأثير المفاهيم التغريبية التي تقوم على المذهب المكيافيللي الخطير الذي يبيح الرياء والحيلة ، ويفتح الباب أمام كل الوسائل والأساليب تحقيقا للغرض المطلوب على قاعدة : « الغاية تبرّر الواسطة » . إننا نرى أناسا كثيرين تدفعهم الأنانية والمصالح الخاصة إلى التخلي عن الحقيقة ومعاداتها ، والأسوأ من ذلك أن نفرا غير قليل يعدّ الكذب والرياء من أجل الحصول على مكاسبه الشخصية لونا من ألوان المهارة والحذق ، فباللّه
--> ( 1 ) رواه الترمذي .