أسعد السحمراني

125

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

بالوفاء جاء من اللّه تعالى مطلقا ولم يحدّد بحالة ، لأن الوفاء يجب أن يكون منهاجا سلوكيا لا يرتبط بمرحلة أو بحدث ، ولقد قال اللّه تعالى في ذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ « 1 » . إن منهج أخلاق الوفاء بالعهود مطلوب في كل المسائل التي تساهم في حفظ وحدة المجتمع ، والانتصار للمظلوم ، شرط ألّا يكون في العهد المعقود خروج عن الشريعة أو مخالفة لها ، أما في كل ما يوافقها فالأمر بالتنفيذ للعهود عام مطلق . لقد جاء في النص القرآني : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ « 2 » . والخطاب هنا يشمل كل ما يتم التعاقد عليه ويلتزمه الإنسان من أنواع المواثيق والصلات والبيوع . . الخ . ولتأكيد أهمية الوفاء بالعهود الموافقة للشريعة بصرف النظر عن مكانها وزمانها ، وأشخاص المتعاقدين فيها ، ينقل لنا كتّاب السيرة النبوية ومنهم ابن إسحاق قائلين : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد اللّه بن جدعان لشرفه ونسبه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا مظلوما بمكة من أهلها أو غيرهم إلّا قاموا معه حتى تردّ عليه مظلمته ، فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ؛ أي حلف الفضائل . وفيه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحب أنّ لي به حمر النّعم ، لو أدعى به في الإسلام لأجبت » . والحكمة المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الشريعة جاءت بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم ؛ ولأن هذا الحلف يحقّق هذه الناحية فلا بأس من الوفاء به على رغم أنه معقود في زمن الجاهلية قبل الإسلام .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 1 ، العقود : العهود . ( 2 ) سورة النحل ، آية 91 .