أسعد السحمراني
110
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
تتضح في هذه الآية الكريمة منهجية السلوك البشري ، وهي منهجية يطلب فيها من الإنسان أن يكون عمله كلّه بقصد نيل الثواب الأخروي ؛ أي خالصا لوجه اللّه فلا يتبع أي عمل بالمنّ أو الأذى ، ويكون سعيه في كسب نصيبه من الحياة الدنيا بعيدا عن نشر الفساد ، فلا يسلك أي سبيل معوجّة من أجل تحصيل مطلب ذاتي ، مهما كانت درجة هذا المطلب ، لأن الإنسان المؤمن المتصف بالفضيلة لا يفعل إلّا أفعالا طيّبة مهما اعتراه في سبيل ذلك ولا تستهويه الخبائث مهما حقّقت من لذة آنية . فالقاعدة الأخلاقية المؤمنة يضبطها حكم الآية الكريمة : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 1 » . إن ما يقوم به بعض الناس من الفساد والفعل الباطل الذي يصنّف في خانة الرذيلة يعود عليهم ، وهو مهما زاد ونما لا يكون بحال من الأحوال في موقع ما يدعو إليه اللّه تعالى المؤمنين من الإصلاح والأفعال الخيّرة . إن للأخلاق قيمة لا يدانيها شيء آخر في التشريع الإسلامي ، لأنها تحقّق الصلاح ، والرحمة ، والتآخي والمحبة ، وشتى أنواع الفضائل ، وتلغي الفساد ، والظلم ، والتباغض ، والكراهية ، وشتى أنواع الرذائل . لهذا وصف اللّه تعالى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وقال النبي صلوات اللّه عليه في الحديث : « بعثت لأتمم حسن الخلق » « 2 » . وعدّ عليه الصلاة والسّلام الخلق من مقومات الكمال الديني عند المسلم حيث جاء في الحديث الشريف : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا » « 3 » .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 100 . ( 2 ) رواه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل . ( 3 ) رواه أبو داود وأحمد بن حنبل .