حسناء ديالمة
35
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
ومن الجدير بالذكر أنّ « خاصية التيسير في التربية الإسلامية ، لا تعني أنها تربية تتساهل في أمور الإيمان والعقيدة ، والعبادة والأخلاق ، فهي لا تسمح بالتعدي على حدود اللّه تعالى وانتهاك حرمات الدين ، ولا العبث بمبادىء الأخلاق وفضائل الآداب . وهي - وإن كانت ترفع الحرج في الضرورات والمشقات - فإنها تسد الذرائع ، وتقطع السبل في وجه انتشار الضلال الديني والفساد الخلقي والتحلل الاجتماعي ، وتؤكد على ضرورة اتقاء الشبهات وترك ما يريب إلى ما لا يريب » « 1 » . * عالمية وخالدة : تعتبر التربية الإسلامية تربية عالمية ؛ قال عزّ وجلّ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . وقال تبارك وتعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 3 » ، فإنّ الإسلام رسالة عالمية جاءت للناس كافة ، وغاية الرسالة لا تتحقق إلا بتغيير معتقدات الناس وسلوكهم إلى معتقدات وأنماط سلوك إسلامية ، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بالتربية ، وعالمية الرسالة الإسلامية تعني أيضا عالمية التربية الإسلامية ، وهي موجهة إلى الناس جميعا ، وليست مختصة بقوم دون قوم ، أو جنس دون جنس ، أو لون دون لون ، أو فئة دون فئة ، فلا تلمح فيها أثرا قوميّا ، أو عنصريّا ، أو نحوهما البتة ، لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة » « 4 » . فهي تربية يتساوى فيها الجميع ، والتفاضل بينهم يكون بالتقوى والإيمان لا بالحسب والنسب والجاه . ومن جانب آخر فإن التربية القائمة على هذا الدين الحنيف تربية خالدة ، تصلح لكل زمان ومكان ؛ لأنها تنبثق من قواعد وقيم شرعية تعالج الإنسان بوصفه إنسانا ، لا تتغير ، ولا تختلف من زمن ، إلى زمن ، أو من مكان إلى مكان ، كما أن « قيم الإسلام قواعد ثابتة ، فالصدق قيمة خلقية سامية لا يمكن أن يتطور ليصبح خلقا ذميما ، وكذلك الأمانة والاستقامة ، والعدل ، والتواضع هي قيم أخلاقية ، يسعى الإسلام إلى تحقيقها لدى أبنائه بالتربية الإسلامية ، كما لا يمكن أن يصبح الكذب قيمة خلقية سامية ، ولا الزنا ، ولا القمار والغيبة ، ولا شيء من ذلك ، وهذه بجملتها ترتكز على قواعد شرعية ثابتة ، تعالج كافة المتغيرات ، وتعطي حلولا لكل البدائل المحتملة » « 5 » ، لأن الإسلام
--> ( 1 ) عبد الحميد الصيد الزنتاني ، فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسّنة ، مرجع سابق ، ص 453 . ( 2 ) سورة سبأ ، الآية 28 . ( 3 ) سورة الأعراف ، جزء من الآية 158 . ( 4 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، ح 434 . ( 5 ) أمين أبولاوي ، أصول التربية الإسلامية ، دار ابن الجوزي ، الرياض ، المملكة العربية السعودية 1991 ، ص 41 .