حسناء ديالمة
315
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
إن « الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث كما أن صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة ؛ لأن صدق الحديث نوع من الأمانة في القول والأمانة نوع من الصدق في العمل . على هذا الأساس فإنّ هاتين الصفتين ترتبطان بجذر مشترك وتعبّران عن وجهين لعملة واحدة » « 1 » . فالصادق يحكي عن الأهمية البالغة لهذا المبدأ بأنها من الأسس المشتركة بين جميع الأديان السماوية ، فقال : « إن اللّه عزّ وجلّ لم يبعث نبيّا إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر » « 2 » . فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتحرّك في سلوكه من موقع الصدق ومراعاة الأمانة بصورها المختلفة ، ويهتم بالحفاظ عليها من موقع المسؤولية وأداء الوظيفة ؛ لهذا تكررت في كثير من وصايا الإمام هذه العبارة : « عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة » « 3 » ، كما كان يوصي بهما كل من دخل عليه من أصحابه ومن فارقه . من هنا نرى أن تربية الأفراد على انتهاج هذا الخط تحظى من الإمام بعناية خاصة من خلال عدة أمور في توجيهاته التربوية للأمة . فنشير إلى أهمها فيما يلي : * إلزام الناس بأداء الأمانة إلى صاحبها : يرى الصادق بأن الأمانة خلق كريم يدلّ على يقظة ضمير الإنسان وإحساسه بالمسؤولية المنوطة به ، فيتولاها ويوجه تلاميذه إلى أدائها للمسلم وغير المسلم ؛ لأن اختلاف الدين لا يمنع الشخصية المسلمة من أداء الحقوق إلى صاحبها ، فقال : « أدّوا الأمانات إلى أهلها إن كانوا مجوسا » « 4 » . حتى إنه وصل إلى أبعد من ذلك ، فأكد على هذه المسؤولية - عبر أنمودجه هو - بأنّه يؤدّي الأمانة ولو كان لقاتل جدّه علي بن أبي طالب ، فقال : « اتقوا اللّه ، وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم ، فلو أنّ قاتل علي ائتمنني على أمانة لأديتها إليه » « 5 » ، وهذا لا شكّ أنه لتعظيم أهمية الأمانة وأدائها ورفع شأنها . * التشجيع على هذا المبدأ من خلال عرض القدوة : فقد جاء حث الإمام علي الصدق والأمانة من خلال تجسيد هذه الفضيلة عمليّا في واقع الأمة . فهو يذكر المكانة الرفيعة للإمام علي بن أبي طالب ( كرم اللّه وجهه ) عند
--> ( 1 ) ناصر مكارم الشيرازي ، الأخلاق في القرآن ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 162 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج باب الصدق ، ح 1 . ( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 8 ، باب أحكام العشرة ، ح 2 و 7 و 8 . ( 4 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، مرجع سابق ، ج 4 ، ص 333 . ( 5 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 351 ، ح 995 .