حسناء ديالمة
312
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
فالقرض من وجهة نظر الإمام بمنزلة الصدقة بل ربما هو أفضل إذ إنه يحفظ المال لصاحبه ، ويصون كرامة المقترض ، فلا يحوجه إلى ذل السؤال . ولفت الإمام إلى أن من أخلاقيات المقرض وآدابه أن ينظر المعسر إلى وقت الإيسار ، ولا يجوز لهم مضايقته أو التشديد عليه ، فقال في وصية طويلة كتبها إلى أصحابه : « إياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشيء يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن انظر معسرا أظله اللّه يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله » « 1 » . فإذا تعسّرت أحوال ذي حاجة ولم يوفّق إلى السّداد ، وأقفلت الدنيا أبوابها في وجهه ، فيجب على المقرض أن ينظره حتى يفتح اللّه عليه بواسع رحمته وجوده . لذا عندما سئل أبو عبد اللّه : ما للرجل أن يبلغ من غريمه ؟ استدلّ الإمام بكلام الوحي وقال : « لا يبلغ به شيئا اللّه انظره » « 2 » ثم تلا هذه الآية : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 3 » . وليس مثل هذا في تعاليم الإمام مجرّد نظرية فحسب ، بل هو يراقب تلاميذه بأن يطبّقوها ويجسّدوها في واقعهم العملي كما قال أحد تلاميذه ، قلت لأبي عبد اللّه : إن لي على رجل دينا وقد أراد أن يبيع داره فيعطيني ، فقال الصادق : « أعيذك باللّه أن تخرجه من ظل رأسه ، أعيذك باللّه أن تخرجه من ظل رأسه » « 4 » . فالإمام هنا لم يرض أن تباع دار يسكنها المستدين ليقضي ما عليه من دين ، لا بل استعاذ باللّه من القيام بمثل هذا بين أتباعه ومريديه . * الدعوة إلى المواساة والإغاثة : يرى الصادق بأن المواساة من مقاييس القرب إلى اللّه ، فقال لتلاميذه : « تقربوا إلى اللّه بمواساة إخوانكم » « 5 » وهو يعتبرها من أشد ما افترض اللّه على خلقه « 6 » كما اعتبرها من علامات الصدق في الأخوة ، فقال :
--> ( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 8 ، ص 9 . ( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 367 ، ح 23865 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 280 . ( 4 ) الطوسي ، الاتبصار ، ج 3 ، ص 6 ، ح 13 . ( 5 ) الصدوق ، الخصال ، ص 8 . ( 6 ) ورد عن الصادق : « أشد الأعمال ثلاثة : إعطاء الحق من نفسك ، ذكر اللّه على كل حال ، مواساة الأخ في المال ( أبو نعيم الأصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 1 ، ص 85 ) .