حسناء ديالمة
313
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
« الإخوان ثلاثة : مواس بنفسه ، وآخر مواس بماله ، وهما الصادقان في الإخاء ، وآخر يأخذ منك البلغة ويريدك لبعض اللذّة ، فلا تعدّه من أهل الثقة » « 1 » . وتتحقق المواساة بتفريج الكرب عن المكروبين وإغاثة الملهوف ، وإدخال السرور في قلب المؤمن سواء عبر الموقف أو الكلمة أو أي طريقة مناسبة ، وقد انطلق الإمام من تعاليم جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التناصر المعنوي النفسي بين المؤمنين ، فقال : « من أغاث أخاه المؤمن اللّهفان عند جهده ، فنفّس كربته وأعانه على نجاح حاجته ، كتب اللّه عزّ وجلّ له بذلك عند اللّه اثنتان وسبعون رحمة من اللّه ، ويعجّل له منها واحدة يصلح بها معيشته ويدّخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله » « 2 » . ذلك « لأنّ كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة لا شيء ، فادّخر اللّه جزاء تنفيس الكرب عنه لينفس به كرب الآخرة » « 3 » وهكذا دعا الصادق المجتمع الإسلامي بجميع أفراده إلى التكافل المادي والمعنوي ، إلا أنّه اعتبر أن للأغنياء في هذا المعروف دورا خاصّا ومميزا ، فحين دخل إليه رجل ، سأله الإمام : كيف خلّفت إخوانك ؟ فأحسن الثناء عليهم . فسأله : « كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم ؟ قال الرجل : قليلة . قال الإمام : كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم ؟ قال : قليلة . قال الإمام : فكيف يزعم هؤلاء أنهم أتباعنا ؟ » « 4 » وكأنّي بالإمام يرى في مواساة الأغنياء للفقراء ومساعدتهم شرطا لا غناء عنه للتتلمذ في مدرسته . ومن هذا الموقف ندرك بأن استراتيجية الإمام التربوية لم تتقوقع في دائرة التنظير أو تكتف برفع الشعارات وإطلاق الخطابات ، بل نلاحظ أنها قد خرجت منها إلى حيّز العمل ، كما أنها ترتكز على صيغتها الأساسية في النزول إلى واقع المجتمع ، تستخبر وتحاور وتحرّك وتؤثر ليصبح المجتمع بكل أفراده وعلى مختلف مستوياتهم مستعدين لتقديم الخدمة للآخرين بكل محبة وفي أي وقت ، معتمدين على ما منحهم اللّه سبحانه من قدرات وإمكانات ومواهب . فكلما ازدادت هذه النعم عليهم ، ازدادت مسؤولياتهم تجاه الآخرين وتجاه المجتمع بكامله . ولكي يرفع الإمام وتيرة السعي والجدّ في خدمة الآخرين ، قام بتذكير المتعلّمين لديه بهذا الجانب المهم وهي حاجتهم الدائمة إلى توفيق اللّه تعالى وتسديده ، حتى
--> ( 1 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 324 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب تفريج كرب المؤمن ، ح 1 . ( 3 ) سليم بن عبد الهلالي ، إيقاظ الهمم ، دار ابن الجوزي ، السعودية ، 1419 ، ص 490 . ( 4 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 65 ، ص 168 .