حسناء ديالمة

311

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

« فإنك إذا صغّرته عظّمته » ، فعند ما يعظّم الإنسان الحاجة يصغّر نفسه عند طالبها لما سيراه من ضعفه وعجزه ، بينما إذا اعتبرها صغيرة يعظم وتعظم الحاجة عند طالبها . ثم قال : « وإذا سترته تمّمته » ، فإن خدمة الآخرين بصمت هي من أعمال الخير التي يقوم بها المؤمن الواثق بنفسه الذي يهمّه رضا اللّه لا رضا الناس والذي يضع نصب عينيه وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ « 1 » . ثم قال : « وإذا عجّلته هنّأته » « 2 » ، فإن الإنسان إذا أسرع في قضاء حاجة الغير فرح بها وشعر بقيمة قضائه لها ، بخلاف ما إذا ماطل فيها . لذا أكد الإمام في كلام آخر على تعجيل قضاء حوائج الآخرين خوفا من فوات الفرصة ، فقال : « إن الحاجة تعرض للرجل قبلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع » « 3 » . * الحث على الإقراض والإمهال : لقد مارس الإمام الصادق هذا الأمر قولا وفعلا ليجسد للمسلمين الأسس المتينة لبناء المجتمع التعاوني الذي ينشط مع الجهد الجماعي . فهو يجعل المؤمن يرى نفسه في الآخرين ويرى الآخرين في نفسه ، فيدفع لا محالة إلى التكافل والتناصر . فقال : « أحبّوا للناس ما تحبّون لأنفسكم » « 4 » . وقد احتلت الدعوة إلى التكافل الاقتصادي حيزا كبيرا من تعاليم الإمام الموجهة إلى طلّابه ، فعمل على تشجعيهم لنصرة المحتاجين في مرافق الحياة ، وتوفير حاجاتهم وذلك عبر إقراض المؤمنين وسدّ حاجاتهم بطريقة تحفظ ماء وجوههم ، وهو من أرفع الأمور التي يتقرب بها المسلم إلى اللّه . « فإن المقرض عندما يتنازل عن بعض ما يملك ويقدّمه للآخر ليقضي حاجته ، تتحرك في هذه العملية نفسيته الطاهرة التي تحبّ الخير وتنشده » « 5 » . كما يكون لهذا العمل أثر جميل في تمتين أواصر المحبّة والتعاون بين أفراد المجتمع الواحد . وقد ورد عن الصادق الحث على هذا المعروف بقوله : « لئن أقرض قرضا أحبّ إلي من أن أتصدق بمثله » « 6 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة : جزء من الآية 197 . ( 2 ) الزمخشري ، ربيع الأبرار ، ج 3 ، ص 678 . ( 3 ) ابن قتيبة الدينوري ، عيون الأخبار ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف ، د . ت ، ج 3 ، ص 175 . ( 4 ) الطبرسي ، مشكاة الأنوار ، ص 333 . ( 5 ) عباس علي الموسوي ، العلاقات الاجتماعية في الإسلام ، دار المرتضى ، بيروت ، 1988 ، ص 105 . ( 6 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 13 ، ص 87 ، ح 1 .