حسناء ديالمة
288
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
اللّه عنه يسارع من فوره لتصحيح ذلك السلوك أو القول شارحا جذوره ، ليكون بذلك قد وجّه الشخص المخطئ والآخرين في إطار ذلك الموقف وفي حدود تلك المناسبة حتى يصلح الفرد من سلوكه ، ولا يفهم من صمت الإمام وعدم اكتراثه - إزاء بعض المواقف - تأييده لذلك السلوك فيما يشبه الإمضاء والتكريس ومن الأمثلة على ذلك ما روي أن رجلا من أهل السواد كان يلزم جعفر الصادق ، فافتقده فسأل عنه ، فقال له رجل أن ينتقصه : إنه نبطي ، فقال جعفر فورا : « أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، وكرمه تقواه والناس في آدم مستوون » « 1 » . وقد وجد الإمام الفرصة هنا مناسبة ، فبادر من فوره إلى تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة عند الرجل مذكرا الناس بالمعيار القرآني العام يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 2 » . ولم يرض الإمام أن يتفاضل الأفراد في الأمة الإسلامية الواحدة بأجناسهم وأصولهم وأحسابهم وأنسابهم ، علما بأن الإسلام قد قوّض دعائم العصبيّة ، ولم يؤل جهدا في سبيل إزالة هذا التفاضل . و - التنبيه إلى الجوانب الخفيّة من العمل : حيث إن لسلوكيات الإنسان أبعادا وآثارا مختلفة ، لذا سيكون سلوك الإنسان أصح وأنضج ، كلما كان له رؤية أوسع وإحاطة أكبر بتلك الأبعاد والوجوه . من الخصائص المهمة للمربي أن يستطيع التفطن إلى نتائج العمل من جوانبه المختلفة . ومن شأن هذه السمة عند المربي أن تفسح المجال أمام التلاميذ للرؤية أرحب وللوقوف على الآثار الناتجة عن سلوكهم وممارساتهم ، فيتنبهون إلى كافة التفاصيل الجلية والخفية للعمل وتأثيراته اللاحقة . وهكذا تتوافر لديهم قدرات أدق وأفضل على تمييز الأفعال الحسنة والقبيحة . لقد أولى الإمام الصادق هذه النقطة اهتماما كبيرا في تربية طلابه أخلاقيّا ، فشرح لهم في حالات عديدة الأبعاد المنسية والآثار الخفية لأعمالهم وممارساتهم ، وقد روي في هذا الصدد عن أحد تلاميذه أنه قال : كنا في نحو عشرين نفرا عزمنا على الحجّ إلى بيت اللّه الحرام على أساس الاشتراك في نفقات السفر ، وكنت أذبح لهم شاة في كل منزل ننزل فيه ، وفي يوم ، ونحن في السفر ، زرت الإمام الصادق فقال لي : « أتذلّ المؤمنين ؟ » قلت : أعوذ باللّه من ذلك . فقال : « بلغني أنّك كنت تذبح لهم في كل منزل شاة » . فقلت : يا مولاي : واللّه ما أردت بذلك غير وجه اللّه تعالى : فقال : « أما
--> ( 1 ) ابن طلحة الشافعي ، مطالب السؤول ، ج 2 ، ص 57 . ( 2 ) سورة الحجرات ، جزء من الآية 13 .