حسناء ديالمة

289

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

كنت ترى أن فيهم من يحبّ أن يفعل مثل أفعالك فلا يبلغ مقدرته ذلك ، فتتقاصر إليه نفسه ؟ » . قلت : يا ابن رسول اللّه ، أستغفر اللّه ولا أعود » « 1 » . لم يكن هذا المرء يرى من عمله سوى قري رفاق سفره ، دون أن ينتبه لما في ذلك من إهانة وتحقير للآخرين ، فبيّن له الإمام الصادق الجانب الخفيّ من وراء عمله فتنبّه الرجل إلى ذلك فورا ، ولم يعد لمثله . ز - التوجيه والإرشاد من خلال قضاء الحاجات : لم ينظر الإمام الصادق في منهاجه التربوي للحاجات الروحية والأخلاقية لدى الأفراد فحسب ، إنما كان يرى أن كثيرا من التنبيهات الأخلاقية لا تؤثر في المتلقّين إلّا حينما يجري الاهتمام أيضا بحاجاتهم المادية ومشكلاتهم . وقد أخذت هذه النقطة الدقيقة في سيرة الإمام بالاعتبار ؛ وترى صدى له في علم النفس الحديث ، فنظرية « الحاجات الإنسانية » « 2 » في العلم المعاصر تشير إلى هذا الجانب ، وهو أن لدى معظم الأفراد سلسلة من الحاجات المادية ينبغي أن تشخّص وتولى الأهمية المناسبة ، بحسب تراتبية أولويتها ، ولا شك أن الاحتياجات المالية والمعيشية للأفراد من جملة متطلباتهم الأولية ، وقد ركّز الإمام اهتمامه على هذه القضية بوصفه مربّ حاذق متعمق حتى يمهد الأرضية المناسبة لتأثير مواعظه الأخلاقية . روي في هذا الصدد أن المفضل بن قيس « 3 » دخل على الصادق يوما يسأله الدعاء ، يقول المفضل : « فشكوت إليه بعض حالي وسألته الدعاء فقال : يا جارية هاتي الكيس . . . فقال : « هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن بها » . قلت : ما أردت هذا الكيس ، ولكن أردت الدعاء لي . قال : « ولا أدع الدعاء لك . ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم » « 4 » .

--> ( 1 ) سيد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 16 ، ص 354 . ( 2 ) أشهر وأنسب التقسيمات التي عملت للحاجات الإنسانية هو التقسيم الذي أتى به « أبراهام مازلو » فهو يرى أن حاجات الإنسانية الأساسية تقع في خمس فئات أو فصائل أساسية ، مرتبة حسب أهميتها وقوتها وتأثيرها في تحريك السلوك . فهي الحاجات الفسيولوجية ، حاجة الأمن ، حاجة إلى الحب والانتماء ، حاجة إلى الاحترام والتقدير وحاجة إلى تحقيق الذات . فإذا أشبعت حاجات مستوى من مستويات السلم الهرمي ، بدأت تظهر حاجات المستوى الذي يليه وهكذا حتى الآخر في هذا السلم . ( علي محمد التومي الشيباني ، علم النفس الإداري ، دار العربية للكتاب ، تونس ، 1988 ، ص 112 - 114 بتصرف ) . ( 3 ) مفضل بن قيس بن رمانة ، كوفي ، من أصحاب الباقر ومن خواص أصحاب الصادق ( الخوئي معجم الرجال 18 / 305 ) . ( 4 ) الخوئي ، معجم رجال الحديث وتفضيل طبقات الرواة ، منشورات مدينة العلم للخوئي ، قم ، د . ت ، ج 18 ، ص 306 .