حسناء ديالمة

287

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

أضف إلى ذلك أن ردود الفعل السلوكية تعد ضربا من التذكير غير المباشر لا يشتمل على الأضرار والأعراض السلبية للتوجيهات اللفظية المباشرة . طبعا ، يمكن أن تكون ردود الأفعال السلوكية مؤثرة حينما يكون المتلقي على معرفة بالنمط السلوكي للمربي ومدلولاته ، فيشعر بأقل تغيير يطرأ على سلوكه ويحاول أن يكتشف أسبابه ، من هنا يمكننا القول أن الإمام كان يستخدم هذا الأسلوب أكثر ما يستخدمه في تربية تلاميذه وخواصه كما قال إسحاق بن عمار « 1 » : دخلت علي أبي عبد اللّه الصادق . فنظر إليّ بوجه قاطب ، فقلت : ما الذي غيّرك عليّ ؟ : قال : « الذي غيّرك لإخوانك ، بلغني يا إسحاق أنك أقعدت ببابك بوّابا يردّ عنك الفقراء . فقلت : جعلت فداك إني خفت الشهرة . فقال : « ألا خفت البلية » « 2 » . كان بوسع الإمام أن يذكر إسحاقا بأخطائه منذ البداية وبصراحة ، ويمنعه عن هذا الفعل الذي أتاه ، بيد أنه لم يتصرف بهذه الطريقة ، إنما أراد أن يدفع به إلى التفكير في فعلته عبر التحوّل الذي يلاحظه في سلوك الإمام معه ولو من خلال نظرة غاضبة ، فيسأل عن سبب هذا التحوّل ويكون بذلك مستعدّا لسماع كلام الإمام . بالإضافة إلى ذلك يذكر الإمام أن تغيّر سلوكه مع تلميذه إسحاق هو حصيلة تغيّر سلوك إسحاق مع إخوانه في الدين ، ليشير بذلك إلى قبح هذا الفعل ويؤكد - في الوقت نفسه - على أهمية وخطر هذه المسألة بالنسبة إليه . ه - انتهاز الفرص والظروف المناسبة : لا ريب أن المربي الناجح يتحرّى دوما الفرص المناسبة والمؤثرة لعرض الشذرات التربوية والأخلاقية اللازمة . فالتذكير الأخلاقي يؤثر في المتلقي بأفضل صورة ممكنة حينما يقترن بالمصاديق والمناسبات الخاصة ويرتبط بشؤون الحياة الفردية . وكان الإمام الصادق يولي أهمية بالغة لهذا الجانب ، ويستثمر كل فرصة مناسبة لمعالجة المشكلات الأخلاقية في المجتمع الإسلامي آنذاك . وحيث إنه كان يعتقد أن أي سلوك أو قول له جذوره في تفكير الفاعل ورواه العامة ، فقد حاول إصلاح أفكار تلاميذه ورؤاهم وملاءمتها مع أسس التفكير القرآني وصولا إلى إصلاح سلوكهم وأقوالهم . وفي هذا السياق رويت عنه أحداث عديدة تتعلق بصدور بعض الأقوال والتصرفات المجافية للأدب الإسلامي عن بعض الناس في حضوره ، وكيف كان رضي

--> ( 1 ) إسحاق بن عمار الساباطي من أصحاب الإمام الصادق ، روى عن الباقر والصادق وموسى بن جعفر ( الخوئي ، معجم الرجال 3 / 53 ) . ( 2 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 285 .