حسناء ديالمة
252
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
في الموجدات بعين الذهن المعتمد على الحواس ، وإذ ذاك يتحقق له استنتاجه المقصود ويتم له استدلاله المراد فيصل إلى مبتغاه من الحق عن هذا الطريق . * الخطوة الثالثة : استخدام التفكير المنطقي ( مرحلة الاستنتاج ) هذه المرحلة مرحلة فكرية متقدمة تلي المرحلة السابقة إذ بها يستطيع الإنسان أن يربط بين الحقائق التي حصل عليها ، ويمكن أن يحاول ضبط أفكاره وربطها والوصول إلى الكليات والحقائق الجديدة . فقد نرى موارد عديدة من هذه الاستنتاجات للإمام الصادق ، كما أنه دعا إلى استخدام العقل والإفادة من العمليات العقلية للتعرف على قدرة الخالق وعظمته والإيمان بوحدانيته بقوله : « لو رأيت تمثال الإنسان مصورا على حائط فقال لك قائل : إن هذا ظهر ها هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع ، أكنت تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزئ به ، فكيف تنكر هذا في تمثال مصور ، جماد ، ولا تنكر في الإنسان الحي الناطق ؟ » « 1 » وضرب الإمام مثالا على أساس المعرفة العقلية بين الأسباب والمسببات ويستنتج منها على وجود الخالق والمدبر لهذا العالم . كما نلاحظ أن حديثه عن الطبيعة بمظاهرها الحية بما يتخللها من قواعد ونواميس حياتية وما يحكمها من إرادة خفية دقيقة التنظيم والصنع ، وكلامه عن السماء والأرض والسحاب والجبال والحيوانات المختلفة المتباينة كالفيل والطاووس والنملة وتحليله الأوضاع الاجتماعية والغرائز الإنسانية في رسالة التوحيد إلى المفضل ، يعتبر في ذروة أنموذج التفكير العلمي المبدع المبني على دقة الملاحظة والإدراك الواعي . ولنستمع له قليلا في كلامه كعالم وباحث ومستنتج حيث يصف لنا السمك خلقا وعيشا ودلالة : « . . . تأمل خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدّر أن يكون عليه ، فإنه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي لذا كان مسكنه الماء ، وخلق غير ذي رئة لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة ، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف من جانبي السفينة ، وكسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات فأعين بفضل حس في الشم لأن بصره ضعيف والماء يحجبه فصار يشم الطعم من البعد البعيد . فينتجعه وإلا
--> ( 1 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، ص 47 .