حسناء ديالمة
253
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
فكيف يعلم به وبموضعه ؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه « 1 » منافذ فهو يعب الماء بفيه ويرسله من صماخيه فتروّح إلى ذلك ما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسّم هذا النسيم . فكّر الآن في كثرة نسله وما خصّ به من ذلك ، فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة ، والعلة في ذلك أن يتسع لما يتغذى به من أصناف الحيوان ، فإن أكثرها يأكل السمك حتى إن السباع أيضا في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك ، فإذا مرّ بها خطفته ، فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة ، فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك . . . » « 2 » . هذا هو أسلوب التفكير عند الصادق ، ملاحظة وجمع بيانات ، واستنتاج واعتبار من نتائج البحث ، وتبصر في أعماق الصنع . لكن الإمام لم يحتكر هذا النمط من التأمل الفكري لنفسه فقط وإنما أراد شيوع ذلك بين تلاميذه لترتفع من أوساطهم حجب الجهل والظلام ولتحل بينهم مظاهر المعرفة والإدراك .
--> ( 1 ) الصمخ ، خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس ( ابن منظور ، لسان العرب ، مادة صمخ ) . ( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 109 .