حسناء ديالمة
251
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
والإدراك ، فإذا استخدم الإنسان بصره لاحظ ، وإذا دقق تأمل ، ومتى تأمل فكر ، ومتى فكر استغرق ، والتفكير هو هدف العلم ، والاستغراق في التفكير هو نهاية المعرفة » « 1 » . * الخطوة الثانية : إدراك العلاقة بين الظاهرة ومسبباتها ( مرحلة الاستدلال العقلي ) إن الملاحظة والتجربة - وإن كانتا ضروريتين للحصول على معرفة عن العالم الخارجي - إلا أنهما لا تكفيان لوحدهما . « فلو أننا اكتفينا بحواسنا الظاهرية لم نستطع التعبير عن العالم الخارجي ، والإيمان بوجود الترابط بين الحوادث الطبيعية » « 2 » . يقول الإمام الصادق : « . . . الحواس الخمس وهي لا تنفع من الاستنباط إلا بدليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح » « 3 » . من هنا فإنه يرى الحس بنفسه لا يفيد علما بل لا بد له من مبادئ عقلية لا يعتريها ريب ؛ لأن الحس يعطينا سلسلة مؤشرات متفرقة والعقل هو الذي يقوم بعملية الربط بينها ، فقيمة عمل الحواس من قيمة ارتباطها بالعقل . قال الإمام الصادق : « فإنك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت أن راميا رمى به ، فليس هذا العلم من قبل البصر ، بل من قبل العقل لأن العقل هو الذي يميزه ، فيعلم أن الحجر لا يذهب علوّا من تلقاء نفسه . . . » « 4 » . فهو هنا يدلل بما تلمسه الحواس على لزوم وجود ما لا تلمسه ، فهو يستعمل العقل والواقع معا . وعندما سأله زنديق : كيف يعبد اللّه من الخلق ولم يروه ؟ قال الصادق : « رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف . ثم الرسل وآياتها ، والكتب ومحكماتها ، واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته » « 5 » . فالإنسان المفكر ينتقل من مرتبة النظر إلى الكائنات بعين البصر إلى مرتبة النظر
--> ( 1 ) أمينة أحمد حسن ، النظرية التربوية في القرآن وتطبيقاتها في عصر الرسول ، مرجع سابق ص 250 . ( 2 ) مهدي كلشني ، القرآن ومعرفة الطبيعة ، دار الأضواء ، بيروت ، 1989 ، ص 270 . ( 3 ) الصدوق ، الأمالي ، ص 433 . ( 4 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، ص 117 . ( 5 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 164 / أبو طالب المكي الحارثي ، قوت القلوب ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 1115 قريب بهذا المضمون . .