حسناء ديالمة

238

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

حافظا ، ذاكرا ، فطنا ، فهما ، فعلم بذلك ، كيف ؟ ولم ؟ وحيث ؟ وعرف من نصحه ، ومن غشه ، فإذا عرف ذلك ، عرف مجراه وموصوله ، ومفصوله ، وأخلص الوحدانية للّه ، والإقرار بالطاعة ، فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات ، ووارد على ما هو آت ، يعرف ما هو فيه ، ولأي شيء هو ها هنا ، ومن أين يأتيه ، وإلى ما هو صائر ، وذلك كله من تأييد العقل . . . » « 1 » . فقد شبّه الإمام الإنسان بالبناء والعقل بالدعامة له ، يعني إثبات الإنسانية للإنسان وتحققها وقيام معناها إنّما هو بالعقل كما أنّ إثبات السقف وقيامه بالعماد « 2 » . فأعطى الإمام العقل المنزلة الأولى وكان يعتمد في دروسه ومحاضراته وحواراته على الأدلة العلمية ونادى بتحكيم العقل ؛ لأنه يعد بمثابة المعيار الذي يميز بين الحق والباطل والأداة الكاشفة عن سبيل الرشاد من سبيل الغي فيقول الإمام علي كرم اللّه وجهه : « كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيّك من رشدك » « 3 » . وبما أن العقل هو موجّه الإنسان ودافعه ووسيلته في إدراك موقعه وغايته من الحياة يعتبر الصادق العقل أعلى مراتب الغنى بقوله : « لا غنى أخصب من العقل ولا فقر أحط من الحمق » « 4 » . وإن المتأمل في مدرسة الصادق يلاحظ المزيد من الاهتمام بالتربية العقلية حتى وصف تلاميذه بأولي النهى بقوله : « إن أصحابي أولو النهى والتقى فمن لم يكن من أهل النهى والتقى فليس من أصحابي » « 5 » . وذلك لأنّه يدرك أن مواقف التعليم لا قيمة لها إن لم تكن هناك رعاية للتربية العقلية التي هي محور العملية التعليمية . وقد صرّح الصادق بأن اللّه تبارك وتعالى فضّل بعض خلقه على بعض في هذه الموهبة ، فالناس متفاوتون في قدرة العقل على الإدراك ، فعند ما قيل للإمام ما بال الناس منهم من إذا كلّمته يستدلّ بأول كلامك على آخره ثم يجيبك ومنهم من إذا كلّمته يصمت حتى يستغرق في كلامك فيجيبك ، ومنهم من إذا كلّمته يقول : أعد عليّ ؟ فأجاب الإمام :

--> ( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، كتاب العقل والجهل ، ح 23 . ( 2 ) محمد صالح المازندراني ، شرح أصول الكافي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 2000 ، ج 1 ، ص 310 . ( 3 ) سيد رضي ، نهج البلاغة ، مرجع سابق ، ص 606 . ( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، كتاب العقل والجهل ، ج 1 ، ص 29 . . ( 5 ) سيد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 2 ، ص 207 .