حسناء ديالمة
230
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
ورسوخا . من هنا فإن المعلومات التي تدرّس بشكل نظري ويمكن شرحها بشكل عملي سيكون تعلمها بشكل أفضل وتبقى راسخة في الأذهان أكثر . ولقد استعمل الإمام الصادق أسلوب التعليم العملي من بين أساليبه التربوية مع تلامذته ، ذات يوم فقال لأحد أصحابه : « تحسن أن تصلي ؟ » قال له : يا سيدي أنا أحفظ كتاب الحريز « 1 » في الصلاة . قال الإمام : « لا عليك قم صلّ » فقام بين يديه متوجها إلى القبلة ، فاستفتح الصلاة وركع وسجد . فقال الإمام : « لا تحسن أن تصلّي ، ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامّة » فقال : فعلمني الصلاة . فقام أبو عبد اللّه مستقبل القبلة منتصبا ، فأرسل يديه جميعا على فخديه . . . فقال : « هكذا صلّ » « 2 » . كان الإمام يستطيع أن يعلمه فيقول له صلّ هكذا دون أن يريه ذلك عمليّا ، لكنه لم يفعل ذلك ، بل صلّى أمامه عمليّا ، ثم قال له : « هكذا صلّ » لأن مثل هذا التعليم نادرا ما ينسى . كما إن بعض الأمور لا يمكن تعليمها للغير بشكل شفهي ونظري ، بل لا بد أن يمارسها الطالب عمليّا ويجريها . ورد عن الصادق أن رجلا أتاه فقال : يا ابن رسول اللّه ؟ أخبرني عن أعظم أسماء اللّه تعالى ، وكان بين يديه حوض وكان يوما باردا فقال الإمام للرجل : « أدخل في هذا الحوض واغتسل حتى أخبرك به ، فدخل الرجل في الحوض واغتسل فبقي فيه ساعة ، فلما أراد الخروج أمر الإمام غلمانه أن يمنعوه من الخروج ، فبقي فيه ساعة ، فتألم من البرد فقال : ربّ أغثني ! فقال الإمام : هذا ما سألت عنه فإنّ العبد إذا اضطر يدعو اللّه بهذا الاسم فيغيثه اللّه تعالى » « 3 » . ط - التدريب والتقييم : تربية الإمام الصادق تعتمد على الممارسات العملية والتقييم التي تعرف بواسطتها استعداد التلاميذ ومبلغ تحصيلهم من العلم . وكثيرا ما يدع الصادق تلاميذه يخوضون في النقاش والتباحث في مواضيع علمية
--> ( 1 ) حريز بن عبد اللّه السجستاني ، أبو محمد الأزدي ، من أصحاب الإمام الصادق من أهل الكوفة ، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها ، له كتب ومنها كتاب الصلاة والزكاة تعد كلّها في الأصول . ( الخوئي ، معجم الرجال ، 4 / 249 - 250 ) . ( 2 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 81 ، ح 301 . ( 3 ) علي حسني زاده ، النظرة إلى التعليم الديني ، مرجع سابق ، ص 142 .