حسناء ديالمة

231

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

شتّى ويقبل عليهم ويصغي إليهم ، وربما تدخل فيما بينهم ، أو نبّههم إلى مواطن الصحّة والسقم في البحث العلمي ، وكان يصنعهم بعينه . فنرى الإمام الصادق يوجه أصحابه إلى مجادلة أحد المخالفين الذين يفدون على المدينة من الشام ، فبعد المناقشة قام الإمام بتقييم تلاميذه فيعلّق على طريقتهم أو قدرتهم كما يلي : التفت أبو عبد اللّه إلى حمران بن أعين « 1 » فقال : « تجري الكلام على الأثر فتصيب » ، والتفت إلى هشام بن سالم « 2 » فقال : « تريد الأثر ولا تعرفه » ، ثم التفت إلى الأحول « 3 » ، فقال : « قيّاس روّاغ ، تكسر باطلا بباطل ، إلّا أنّ باطلك أظهر » ، ثم التفت إلى قيس الماصر « 4 » ، فقال : « تتكلم وأقرب ما تكون من الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبعد ما تكون منه ، تمزج الحق مع الباطل وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل ، أنت والأحول قفّازان حاذقان » « 5 » . فالصادق يبين لهم جوانب النقص والكمال في نقاشهم ويشجعهم على إكمالها وهذه النقطة في غاية الأهمية في عملية التعليم وهي الوسيلة الهامّة أيضا لتنمية العلم وتقدمه . فكأنّ الإمام يخاطب الذي يحاول أن يستفيد من الباطل لكي يتغلّب على الخصم ، ما الفرق بينك وبينه ؟ إنّه جحد حقّا وجحدت مثله ، فهو جحد الحقّ في النتائج ، وأنت جحدت الحق في الوسيلة . ويؤكّد أن الدعوة إلى الحق ينبغي أن تعتبر الحق هو العنصر الأساسي في الوسيلة والعنصر الأساسي في النتيجة ، لأنّك عندما تأخذ من الباطل حجّة على حقّك ، فإنّ معنى ذلك أنّك توحي بضعف الحقّ عن مواجهة التحديّات التي توجّه إليك ، ولذلك تلجأ للاستعانة بالباطل في مقام تأكيد صوابية رأيك . وهكذا ، فإنّ الإمام يريد أن يوحي لنا بأنّ على الإنسان ألّا يظلم الآخر عندما يستعين في الحوار معه بأمور غير حقيقية في سبيل تركيز الفكرة ، لأنّ القضيّة الأساسية هي أن نعطي الإنسان الحق كلّه ، لينطلق الحقّ بكلّه في عقله ووجدانه .

--> ( 1 ) انظر إلى ترجمته في ص 108 . ( 2 ) هشام بن سالم الجواليقي ، مولى بشر بن مروان ، أبو الحكم ، كان من سبي الجوزجان ، كوفي ، روى عن أبي عبد اللّه ، له كتاب يرويه جماعة ، ثقة ثقة ( الخوئي ، معجم الرجال 20 / 324 ) ( 3 ) انظر إلى ترجمته في ص 176 . ( 4 ) قيس بن ماصر من المتكلمين ، تعلّم من علي بن الحسين وصحب الإمام الصادق ( المصدر نفسه 15 / 102 ) . ( 5 ) عبد الحليم الجندي ، الإمام جعفر الصادق ، مرجع سابق ، ص 218 .